***
[في حال عدم تأمين السلامة خلال دقيقة واحدة، سيُعاد كل ما ضمن نصف قطر 100 كم إلى العدم.]
لم تختفِ نافذة الحالة العبثية تلك إلا بعد أن سُحبت جميع مؤشرات الهجوم الموجّهة نحوي سحبًا كاملًا.
وفور ذلك، اندفع باحثون يرتدون المعاطف دفعة واحدة إلى الداخل، وأحاطوا بي. لم يكونوا عنيفين، لكن سيطرتهم كانت سريعة ومحكمة.
وبسبب ارتخاء ساقيّ، لم أستطع حتى المقاومة كما ينبغي، فاقتادوني ودفَعوني إلى غرفة ما، وما إن أُغلِق الباب حتى كان كل شيء قد انتهى في لحظة.
استجمعت وعيي وحاولت تدوير مقبض الباب، لكنه كان موصدًا لا ينفتح.
تدفّق الإرهاق المتأخر فجأة، فسُحبت القوة من جسدي دفعة واحدة.
أسندت ظهري إلى الباب وأخذت أتأمل ما حولي.
لوح معدني أملس واسع، يبدو أنه سرير، وفوقه غطاء من مادة غريبة. منضدة جانبية. حمّام صغير.
لولا التصميم الذي لا يُرى إلا في مستقبل بعيد، لكان المكان أشبه بغرفة نوم فردية بسيطة في سكن جامعي.
على المنضدة الجانبية وُضعت زجاجة ماء، وعلبة مشروب، ووجبة مغلّفة. هاجمني الجوع الذي كنت قد نسيته.
الآن وقد فكّرت في الأمر، فمنذ أن وُزّع علينا الماء وقضبان الطاقة في سفينة النقل، لم أضع شيئًا في فمي. كدت أفتح المشروب وأسكبه في حلقي دفعة واحدة، لكنني تماسكت بصعوبة. لم أستطع أن أتناول أي شيء عشوائيًا.
في سفينة النقل، كان الطعام يُوزّع ويُقتسم عشوائيًا بين عدد من الناس، وبذلك كنا نتحقق من السلامة معًا. أما الآن، وأنا وحيدة، فلا بد من الحذر. من يدري، قد يكون هناك شيء مريب مخلوط بالطعام.
لكن العطش كان شديدًا، فدخلت الحمّام، فتحت الصنبور، وشربت من الماء بكفيّ. حتى لو لم يكن صالحًا تمامًا للشرب، فقد حكمت بأن الماء القادم عبر الأنابيب لا يمكن أن يكون قد أُضيف إليه دواء.
بعد أن شربت طويلاً وغسلت وجهي، بدأ ذهني يصفو أخيرًا.
وعندها، صار ما يجب التحقق منه واضحًا.
مسحت وجهي المبتل ورفعت رأسي. انعكس وجهي الشاحب في المرآة. صرخت، وكأنني فقدت صوابي:
“نافذة الحالة!”
لم يظهر شيء.
“اخرجي! اخرجي! ساعديني! نافذة الإرشاد! نافذة الحالة!”
لا جواب. لا أثر. كما توقعت، لا يبدو أنها تعمل إلا حين تكون سلامتي مهددة.
كدت أضرب رأسي بالحائط، ثم تراجعت. لا يبدو أن نافذة الحالة ستستجيب لمثل هذه الحيل الساذجة. لا بد أن تكون حياتي على المحك فعلًا كي تظهر.
حتى عندما أمطرتني المدافع قبل قليل بوابل من الهجمات، بقيت نافذة الحالة صامتة. يومها، كنت واثقة من قدرتي على تفاديها.
ظهرت نافذة الحالة فقط حين حُوصرت تمامًا ولم يعد لديّ أي حيلة. لذلك، فلن تستجيب لإيذاء النفس السطحي.
“ألستِ في صفي؟ إذن، ساعديني قليلًا.”
قلتُ ذلك بتوسل. بلا جدوى.
“ما معنى نافذة الحالة هنا؟ ولماذا أنا وحدي من يراها؟”
انحدرت قطرات الماء ببطء على وجهي المنعكس في المرآة، تجمعت عند طرف ذقني، ثم سقطت.
“لماذا تحمينني؟”
في سفينة النقل التي أقلّتني من البوابة إلى البارجة، سألتُ الآخرين مرارًا عن نافذة الحالة. لكن الجميع بدا وكأنه لا يعرف عنها شيئًا على الإطلاق. بل إنهم هم من سألوني.
“أنتِ فعلًا ترين نافذة الحالة؟”
“نعم. أراها فعلًا.”
“والآن لا ترينها؟”
“رأيتها عندما كنت أُطارَد من قبل الوحش عند البوابة.”
“إذًا تظهر فقط عندما تكونين في خطر.”
“يبدو ذلك. وفي الألعاب، ما دور نافذة الحالة عادةً؟”
“مجرد نافذة حالة، حرفيًا. عندما تلعبين لعبة، تظهر نافذة الحالة تلقائيًا، أليس كذلك؟ لا أكثر. لكن هنا لا نراها. ولا أحد منا رآها. يبدو أنك الوحيدة.”
لم يتطوّر الحديث بعد ذلك. حتى الرجل الذي تقدّم أمام الجنود مدعيًا أنه بارع في الألعاب قال إن نافذة الحالة لم تكن تحمل أي معنى خاص.
ثم، في تلك اللحظة، تكلّم أحدهم بحذر.
“سمعتِ ما قاله الجنود، أليس كذلك؟ إنهم يبحثون عن الشخص الذي نسخ هذا المكان ووزّعه كلعبة. قالوا إنه ابن كلب. رؤية نافذة الحالة… ألا يعني هذا أنكِ تتعاملين مع هذا العالم كأنه لعبة؟ لو كان مطوّر اللعبة، فربما يرى هكذا.”
“أنا لست مطوّرة. أنا مجرد طالبة جامعية.”
“ربما شخص قريب منكِ له علاقة؟ والداكِ مثلًا.”
“والداي مجرد موظفين في شركة……”
“فكّري جيدًا. ألم يكن هناك شيء؟ ربما يحاولون العثور على المطوّر من خلالك، ثم قتله.”
لم يخطر ببالي شيء إطلاقًا. هززت رأسي، فبدت الحيرة على وجوههم جميعًا. وأكثر من كان في مأزق، كنتُ أنا.
لماذا أنا وحدي من يرى نافذة الحالة…؟
لحظة.
بماذا كان يعمل والدا بايك إيهيون؟
انقبضت يدي الممسكة بحافة المغسلة دون وعي. كأن ضبابًا لفّ ذاكرتي.
كانت وجوههما تلوح في ذهني، لكنها تتلاشى قبل أن تتضح. لم أستطع تذكّر ملامحهما، ولا أصواتهما، ولا حتى طبيعة عملهما.
كأنهما كانا في المجال المالي… أو ربما في تقنية المعلومات. لم يكن الأمر مؤكدًا.
أصابني صدم شديد حين أدركت أنني لا أستطيع تذكّرهما.
كيف يمكنني أن أنسى والديّ بايك إيهيون؟
خفق قلبي بقلق. هذا ليس نسيانًا عاديًا.
‘ألا يمكن أن أكون أفقد ذكرياتي بهذه الطريقة؟’
ربما، منذ اللحظة التي عبرتُ فيها إلى هذا المكان، بدأت ذكرياتي عن عالمي الأصلي تتلاشى تدريجيًا.
بدءًا بوالديّ بايك إيهيون، ثم والديّ أنا، ثم بايك إيهيون نفسه… وربما في النهاية، سأنسى حتى ذاتي.
لم أعد أستطيع التنفس. كنت جاهلة تمامًا بهذا العالم، ولا أملك أي يقين بشأن هذا النسيان.
حينها، سُمِع صوت طَقّة من الخارج. تشنّجت بالكامل، وما إن اندفعت خارج الحمّام حتى توقفت دون وعي.
كانت هناك امرأة تقف خلف الباب المفتوح. تلاقت أعيننا.
ملامح دقيقة، جسد نحيل صغير، كأنها جنية. لا يبدو عمرها أكثر من أوائل العشرينات. في مثل سني تقريبًا.
خطت المرأة نحوي بخفة. انسدل فستانها بلون المشمش الفاتح طويلًا حتى الأرض.
كان مظهرها مختلفًا تمامًا عمّا رأيته حتى الآن. فالجنود والباحثون كانوا جميعًا يرتدون ملابس عملية خالصة، أما هي فبدت كأنها اختارت ثيابها وحليّها فقط لتبرز جمالها.
“تشرفت بمعرفتك. أنا يوول مينسورين.”
كان يبدو أن لقبًا غريبًا يسبق اسمها، لكن ذلك لم يكن مهمًا. ما لفت انتباهي حقًا هو الوعاء الذي تحمله بكلتا يديها.
وعاء خزفي غائر أملس، يشبه تمامًا كؤوس السم في الدرامات التاريخية، يبعث القلق في نفس من يراه. تراجعت خطوة إلى الخلف وأجبت:
“نعم. أنا سول آيون…….”
“أعرف. الآنسة سول آيون. سمعتُ أنكِ أخرجتِ عددًا كبيرًا من الناس في هذه البوابة.”
ابتسمت مينسورين ابتسامة مشرقة. نظرتُ خلفها. لم يكن هناك أحد في الممر. وحتى ذلك، اختفى حين أُغلِق الباب آليًا.
“هل تبحثين عن القائد بايك إيهيون؟”
عدتُ أنظر إليها. قالت بابتسامة لطيفة:
“قيل إنكِ على معرفة وثيقة بالقائد، أليس كذلك؟”
لم يعد الجواب صعبًا.
“لا. لقد أخطأتُ في الشخص.”
“حقًا؟ سمعتُ أنكِ أحدثتِ ضجة وقلتِ إنه صديقك.”
“هو فقط يشبه شخصًا أعرفه، فالتبست عليّ الأمور.”
“هل يمكن أن يكون ذلك مجرد التباس؟ بذلك الوجه تحديدًا.”
صحيح أنه ليس وجهًا شائعًا.
“حتى أنا أجد صعوبة في تصديق ذلك، لكن يبدو أنه شخص آخر يحمل الاسم نفسه ويشبهه.”
“هل طلب منكِ القائد ذلك؟ أن تخفي كونكِ من الغرباء؟”
“لا. أنا فعلًا أخطأت.”
“فهمت.”
أجابت بهدوء. توترت من جديد.
كان سلوكها مريبًا. بدا واضحًا أنها تعلم تمامًا أنني أحاول حماية بايك إيهيون. كانت على النقيض تمامًا ممن اتهموني بالاحتيال.
“لم تأكلي شيئًا، أليس كذلك؟”
وضعت مينسورين الوعاء على المنضدة الجانبية. كان يبدو كحساء مليء باللحم.
“أحضرته خلسة. الحراسة مشددة جدًا.”
‘لا يجب أن آكل.’
كان الإحساس قويًا.
“لا بأس.”
“لا تعتذري.”
“لا، لستُ جائعة.”
“آه… حقًا…….”
ضاقت عينا مينسورين قليلًا، ثم قالت بنبرة ناعمة:
“ما إن تفتحي فمك حتى تكذبي.”
في اللحظة التالية، أُمسك بمؤخرة رأسي بقوة. أمسكت مينسورين بشعري بإحكام، ودَفعت وعاء الحساء نحو فمي.
أطبقت فمي بقوة وأمسكت بمعصمها. كان معصمها نحيلًا كغصن صفصاف. كدتُ ألوِيه، ثم توقفت.
‘هل هذه فرصتي؟’
كان المشهد، في نظر أي أحد، لحظة تسبق التسميم مباشرة. لكن ربما، بهذا الخطر، ستظهر نافذة الحالة مجددًا. محاولة لا يمكنني القيام بها إلا هنا.
‘ماذا لو تجرعتُ رشفة واحدة فقط؟’
وبينما كنت ممزقة بهذا الصراع، انفرجت القبضة التي كانت تمسك رأسي فجأة.
وبسبب القوة التي كنت أقاوم بها، تراجعتُ إلى الخلف، وفي اللحظة التالية ارتفع جسدي في الهواء.
من دون وعي، تشبثتُ بعنق الطرف الآخر. وسط رائحة المعدن والدم الغريبة، شعرتُ بعطر مألوف. لم أصدق.
ما إن رفعت رأسي حتى تشابكت نظراتنا على مقربة لاصقة.
عينا باردتان، جامدتان، قريبتان أكثر مما ينبغي. دفعتُ صدره دون وعي محاوِلة الابتعاد، لكن المسافة لم تتغير قيد أنملة.
شدّ بايك إيهيون ذراعيه اللتين تحملانني، وقال بصوت مقذوف:
“هل جننتِ؟ هل تريدين الموت إلى هذا الحد؟”
꧁ترجمة موروها꧂
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"