***
“نافذة الحالة.”
تمتم أحدهم. وبعدها لم يُسمَع حتى صوتُ نَفَس. كانت أنظار الجميع معلّقة بمنتصف جدار الفيديو، بالشاشة الوسطى، بسيو آيون، وبعشرات النوافذ شبه الشفافة التي كانت تطوّقها بإحكامٍ وتحميها.
[إذا لم يتم تأمين السلامة خلال دقيقة واحدة، سيتم تحويل كلّ ما ضمن نصف قطره 100 كيلومتر إلى العدم.]
إنها نافذة حالة بلا ريب. ولم تكن واحدة. عشرات من نوافذ الحالة كانت تلتفّ حول سيو آيون بإحكام، وتدور ببطء في الهواء.
نافذة حالة متجسّدة ماديًّا. المنسّق الذي بحث عنه الإمبراطور، بل وجميع حكّام الكون، بكلّ ما أوتوا من قوّة، كان ماثلًا أمام الأعين. الوجود الوحيد القادر على التدخّل في الأبعاد من دون الاستعانة بقوّة الطائفة.
“اسحبوا المدافع.”
قال بايك إيهيون. رفع كيم دوون عينيه إليه. عادةٌ قديمة، أن يستجيب فورًا لأمر قائده.
لكن لم يتحرّك أحد سواه. الجميع كانوا مسمّرين في أماكنهم، يحدّقون في الشاشة بلا وعي. أعاد بايك إيهيون الأمر، أوضح وأصرح:
“اسحبوا المدافع.”
ركل كيم دوون من الخلف ركبةَ أحد الباحثين الواقفين بجانبه، ذاك الذي كان فاغرًا فاه، شاخصًا بعينيه إلى الشاشة.
“قلتُ اسحبوا المدافع.” همس بها. هرع الباحث، ووجهه شاحب، يعبث بأزرار وحدة التحكّم.
انسحبت مدافع غرفة المحاكاة القتالية دفعةً واحدة. لكن نوافذ الحالة التي كانت تحيط بسيو آيون لم تختفِ.
“أوقفوا جمع البيانات.”
مع أمر بايك إيهيون، استفاق الجنود وتحركوا بخفّة. أُنزِلت القواطع، وأُعيدت الإعدادات إلى حالتها الأولية.
في اللحظة التي انطفأت فيها أضواء غرفة المحاكاة، ولم يبقَ سوى الحدّ الأدنى، اختفت نوافذ الحالة التي تحيط بسيو آيون اختفاءً تامًّا.
لم يبقَ سوى سيو آيون، جالسةً على الأرض، تتلفّت حولها. كان وجهها الشاحب لا يختلف كثيرًا عن وجوه أفراد غرفة التحكّم.
“تأكّدوا من لحظة ظهور نافذة الحالة.”
بإشارةٍ من بايك إيهيون، تحوّلت الشاشة الوسطى إلى تسجيلٍ مُعاد. أُعيد المشهد الذي اندفعت فيه سيو آيون لتحمي الطفل، ثم انبثقت نوافذ الحالة فجأة، وتكفّلت بردّ جميع الهجمات بلا استثناء.
وعندما تهشّمت الأرض دائريًّا إثر انكسار الهجمات، قال بايك إيهيون:
“أعيدوه ببطء.”
تكرّر المشهد ذاته، لكن بسرعة أبطأ بكثير.
حتى مع الإعادة، لم يكن سهلًا تصديقه. وبينما كان الجميع يحدّقون في الشاشة كالمسحورين، قال بايك إيهيون ببرود:
“كبّروا سيو آيون.”
نفّذ الجنود الأمر فورًا. امتلأت الشاشة بسيو آيون وحدها.
وجه مشدود من شدّة التوتّر. حدقتا عين تتّسعان فور رؤية الطفل. جسد يستجيب بسرعة. وضعية ركض خالية من أي حركة زائدة، مركّزة على الهدف لا غير.
ولا شيء سواها.
لم يظهر عليها أي مظهر لاستدعاء نافذة الحالة. بل كانت تبدو يائسة، كأنها لم تتوقّع قطّ أن يحميها شيء.
ثم ظهرت نافذة الحالة بلا أي تمهيد. وبالدقّة، في اللحظة التي صار فيها موت سيو آيون وشيكًا.
ذلك يطابق تمامًا القاعدة المطلقة: نافذة الحالة تُقدّم المنسّق على كلّ شيء.
أدار بايك إيهيون ظهره للشاشة. واستقام جميع أفراد غرفة التحكّم.
لقد صار جليًّا، بلا أدنى شك، أنّ من خضعت للاختبار هي المنسّق ذاته. والآن، كان لا بدّ من التعامل مع الأمر. لم يُسمَع صوت.
“سأرفع تقريرًا فوريًّا إلى جلالته. وحتى يصدر حكمه، يُصنَّف هذا الأمر سرًّا مطلقًا. ثم…”
توقّف بايك إيهيون قليلًا. ذلك التردّد لم يكن من عادته، وكاد كيم دوون يستغرب، لولا أنّ بايك إيهيون تابع:
“على فريق البحث استعادة سيو آيون وحجزها في زنزانة فردية. وعند إخضاعها، انتبهوا ألّا تُهدَّد حياتها. إذا استجابت نافذة الحالة بلا إنذار، فلن يكون هناك رجوع.”
ما إن انتهى كلامه حتى اندفع الباحثون إلى العمل. منهم من انشغل بوحدات التحكّم، ومنهم من أسرع نزولًا إلى غرفة المحاكاة. ومن بينهم، التفت بايك إيهيون نحو كيم دوون.
تقدّم كيم دوون فورًا وأدّى التحية.
“انقلوا الغرباء، باستثناء سيو آيون، إلى معسكر أسرى الحرب، ووفّروا لهم طعامًا وراحةً كافيين. راقبوهم بدقّة، ولا تسمحوا لأيٍّ منهم بالفرار.”
“سيدي القائد، أستميحك عذرًا، ولكن…”
جاء الردّ من جهةٍ جانبية.
‘هل تعاطوا جميعًا شيئًا اليوم؟’ تساءل كيم دوون بغيظ. لم يحتج حتى لرؤية وجه المتدخّل ليشعر بالضيق. كم مرّة اليوم يُقاطع أمر بايك إيهيون؟ أمر لا يُصدّق.
كلّ هذا بسبب أنّ سيو آيون غريبة. لا بدّ أنّ هناك خطبًا جللًا.
المنسّق الذي بحثوا عنه طويلًا… غريب؟
وفوق ذلك، ابتلعت رتبة S، فارتفعت قيمتها، وهي الغريبة، إلى عنان السماء.
لم يكن مفهومًا كيف اجتمع هذان الأمران النادران في شخصٍ واحد. أمر لا يطيقه كبرياء الإمبراطورية.
ولهذا، صار من لا يجرؤ على النطق عادةً، يتدخّل بلا حساب.
“لا يجوز للغرباء أن يخطوا خارج سفينة النقل خطوة واحدة. تلك المرأة حالة خاصّة، فنغضّ الطرف عنها، والطفل أُدخل غرفة التحكّم مؤقّتًا لاستخدامه طُعمًا، لكن لا يمكن نقل أكثر من ثلاثين غريبًا إلى معسكر الأسرى. هذا خرقٌ لقانون الإمبراطورية، فضلًا عن…”
“إذًا، كيف سنسيطر على سيو آيون؟”
همّ الجندي بالكلام، ثم أغلق فمه. تصلّب وجهه ببطء.
وبعد لحظة صمت، أعاد بايك إيهيون السؤال. كان صوته هادئًا، أقرب إلى الاستفهام الخالص منه إلى التوبيخ:
“هل لديك طريقة أخرى؟”
لا. في الوقت الراهن، لم تكن هناك.
فهم كيم دوون قصد بايك إيهيون. فبينما يجهل الجميع كلّ شيء عن سيو آيون، كانت حقيقة واحدة مؤكّدة.
الإيثار.
سيو آيون كانت تشعر بمسؤولية تجاه الغرباء الآخرين. عند البوّابة، خاطرت بحياتها لتحمي المخرج. وفي الاختبار، ألقت بنفسها لتعانق الطفل.
وللإمساك بها، كان لا بدّ من السيطرة على الغرباء. سيكونون جميعًا طُعمًا للتعامل مع سيو آيون.
عندما صادف الغرباء أول مرّة عند البوّابة، بدوا كتلةً مزعجة لا قيمة لها. أمّا الآن، فقد صار كلّ واحدٍ منهم ثمينًا، حتى إنّهم قد يحتاجون لجلب المزيد.
بعد صمتٍ قصير، انحنى الجندي بعمق. احمرّت أذناه من شدّة الخجل، وتمتم:
“أعتذر.”
انتقل بصر بايك إيهيون فورًا من الجندي إلى كيم دو-وون.
“أنهِ الأمر بسرعة.”
“أمركم.”
أجاب كيم دو-وون فورًا، ثم اتجه إلى أحد أطراف غرفة التحكّم. كان بعض الباحثين منشغلين بإزالة المجسّات من جسد الطفل الغريب.
كان الطفل، وقد أُزيلت عنه العصابة وسدّادات الأذن للتوّ، جالسًا ساكنًا بوجهٍ حائر. لم يكن يعلم شيئًا، إذ استُخدم مظهره الخارجي فقط عبر المجسّات لصناعة الهولوغرام.
بعد أن نزع الباحثون جميع المجسّات، أوقفوا الطفل ودفعوه نحو كيم دو-وون. ترنّح الطفل بضع خطوات ثم توقّف.
ثنى كيم دوون إحدى ركبتيه، خفّض جسده، ثم رفع الطفل بين ذراعيه ونهض. عدّل وضعه في حضنه بخبرة.
حاول ألّا ينتبه إلى دفء جسد الطفل. إخوته الذين ربّاهم على ظهره لم يعودوا صغارًا هكذا. لا بدّ أنّهم كبروا كثيرًا. لم يرهم، لكنّه كان يعلم.
حمل الطفل الهادئ، الذي لم يُبدِ مقاومةً من شدّة الخوف، وغادر غرفة التحكّم. وقبل أن يخرج، ألقى نظرةً خاطفة على الشاشة.
كانت الشاشة الوسطى لا تزال تعيد مشاهد سيو آيون مرارًا.
عيناها المتّسعتان ذهولًا حين رأت نوافذ الحالة تحيط بها كأنّها تحميها. شفاهها المنفرجة دهشةً عند قراءة المحتوى. خصلات شعرٍ لاصقة بعنقٍ مبتلّ بالعرق.
وفي خضمّ ذلك كلّه، يدها الشاحبة المثبّتة بإحكام على الأرض، استعدادًا للتفادي في أيّ لحظة. وحدقتاها اللامعتان، تراقبان المكان بلا توقّف.
ضيّق كيم دو-وون عينيه.
‘أهذا وجهُ من يكذب؟’
كان بايك إيهيون قد سأل سيو آيون يومًا عن سبب إنقاذها للآخرين، في وضعٍ بالكاد تستطيع فيه النجاة وحدها. وكان جوابها آنذاك:
“لأنني شعرتُ أنّ صديقي لو كان مكاني، لفعل الأمر نفسه.”
لا. بايك إيهيون ليس كذلك. كان كيم دوون واثقًا. الرجل الذي يعرفه، وإن بدا مهذّبًا في الظاهر، كان أبرد الناس قلبًا، وأشدّهم قسوة.
من يظنّ أنّ قيادة الانتصارات المتتالية في هذه الحرب الطاحنة أمر طبيعيّ، فهو واهم.
سيستنزف بايك إيهيون سيو آيون حتى النخاع. وحين تمرّ بتلك العملية القاسية، قد تندم حتى تتمنّى الموت.
ربما كان أهون لها لو افترستها الوحوش عند البوّابة.
المنسّق: كيان لديه القدرة على ضبط وإدارة العوالم المتعدّدة. يستطيع عبر ‘نافذة الحالة’ رؤية ‘الاوامر، ويُعتقد أنّه خارق القدرة، إذ يبصر الماضي والحاضر والمستقبل معًا.
وعند استيقاظ قواه، يصبح قادرًا على التحكّم بالزمكان بحرّية، فيغدو هدفًا لمطاردة القوى الكبرى.
——————–
موروها. أطالب بقصة بطل نادم.
꧁ترجمة موروها꧂
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"