Chapters
Comments
- 5 - إرث منخور منذ 5 ساعات
- 4 - تحت المجهر منذ 13 ساعة
- 3 - ملاذٌ خلف الأسوار منذ 13 ساعة
- 2 - خلف قضبان الذهب منذ يوم واحد
- 1 - شهقة عالقة منذ يوم واحد
عرض المزيد
ما إن انحسرت أجساد الطلاب داخل القاعات، حتى خيّم على الساحة الخارجية سكونٌ ثقيل.
سكونٌ يشبه الأنفاس المكتومة قبل العاصفة، وكأن الجدران العتيقة كانت تتأهب لحدثٍ يغير ملامح يومها الرتيب.
في تلك اللحظة، قطعت صمت المكان سيارة سوداء فاخرة، توقفت أمام البوابة الحديدية الضخمة بوقارٍ مريب.
ترجل السائق بخفة، وفتح الباب الخلفي وكأنه يفتح بوابة لعالمٍ جديد.
خرج منه شابٌ فارع الطول، تلتف حول جسده النحيل بدلة داكنة خِيطت بدقة متناهية، زادته هيبةً وغموضاً.
كانت خطواته واثقة، رصينة، ولها وقعٌ هادئ بشكلٍ يثير القشعريرة في النفوس.
هرع مسؤولو الإدارة برفقة نائبة المدير، ملامحهم كانت لوحة من الارتباك المكتوم.
وصوتهم يخرج متهدجاً تحت وطأة المفاجأة:
«مرحباً سيدي المدير.. أنرت الأكاديمية».
رد ببرودٍ مهذب، وعيناه تجوبان المكان كصقرٍ يتفقد عشه:
«شكراً لكم جميعاً.. أقدرُ حفاظكم على النظام في غيابي».
تحرك نحو الداخل بخطىً ثابتة
وخلفه سار الجميع بمسافةٍ تفصل بين التبجيل والخوف، كأن هالةً غير مرئية تحيط به وتمنعهم من الاقتراب.
استقر في مكتبه، وبدأ يقلب المستندات المكدسة؛ لم يكن يقرأها فحسب، بل كان يشرّحها بنظراته الباردة التي لا تفوت ثغرة.
قطع صمت المكتب صوتُ أحدهم بارتعاش:
«سيدي.. البناء الخلفي، السكن الجديد، قاب قوسين أو أدنى من الاكتمال».
كانت هذه الأكاديمية صرحاً فريداً، منارةً تجذب العقول من شتى بقاع المملكة.
لكن خلف واجهتها الأكاديمية البراقة، كان ثمة سوسٌ ينخر في العظام؛ فسادٌ تراكم لسنوات تحت عباءة الإدارة .
نهض لوكاس من مقعده، وساد صمتٌ مطبق حين نطق بصوتٍ يحمل لسعة الجليد:
«جيد.. لنرَ ما أنجزته تلك الأموال».
كان جاك، المسؤول عن الصيانة، يشعر بالأرض تهتز تحت قدميه.
اعتاد في عهد والد لوكاس على الحرية المطلقة؛ يستلم الميزانية بيمينه، ويقدم قصصاً خيالية بيساره.
لكن لوكاس كان نوعاً مختلفاً من البشر؛ كان يمتلك بصيرةً تخترق الأكاذيب قبل أن تُنطق.
وصلا إلى موقع البناء. وقف لوكاس يراقب العمال الذين أهلكهم التعب.
وجال بنظره في الهياكل الخرسانية الصامتة.
ابتلع جاك ريقه المر، وقال بصوتٍ حاول تزيينه بالثقة:
«كما ترى سيدي.. نحن على وشك الإنجاز».
التفت إليه لوكاس ببطء، وسأله سؤالاً سقط كالمقصلة:
«هل يتقاضى هؤلاء العمال أجورهم بانتظام؟»
في تلك اللحظة، تجمدت الدماء في عروق جاك.
شعر بعرقٍ بارد يتسلل على جبينه كأنه اعترافٌ صامت بالذنب.
فهذا هو الشهر الثالث والعمال لم يلمسوا قطعة ذهب واحدة.
تعثرت الكلمات في حلقه قبل أن تخرج مشوهة:
«أ.. أوه، نعم سيدي.. طبعاً.. بانتظامٍ تام».
لم يرمش لوكاس. حدق فيه لثوانٍ بدت كأنها دهر.
ثم أومأ برأسه إيماءةً بطيئة غامضة، كانت أشد رعباً من أي صراخ أو تهديد.
على الضفة الأخرى من الأكاديمية، حيث الحياة تنبض بالأمل
كانت أريا تغوص في عالم الأرقام.
ذكاؤها كان يشع كشرارة في ليل مظلم
ترسم الحلول على الورق بسلاسة موسيقية، مما جعل أستاذ الرياضيات يبتسم بإعجاب لم يستطع إخفاءه.
قال الأستاذ وهو يضع طباشيره:
«المسألة القادمة هي التحدي الأكبر.. لذا، ستواجهونها كمجموعات».
سألت أريا بحماس:
«الآن يا أستاذ؟»
أجابها بصرامة لا تخلو من مودة:
«بل في ساعتين إضافيتين هذا المساء».
ساد الأنين القاعة، وتبادل الطلاب نظرات اليأس، فالساعات الإضافية كانت بمثابة حكمٍ بالأشغال الشاقة.
لكن القرار كان نهائياً.
بدأت المجموعات تتشكل ببطء؛ انضمت أريا لصديقتها المقربة لورا، مع ثلاثة طلاب آخرين، ليرسموا معاً خطة المواجهة مع الأرقام.
ما إن انتهى الدرس، حتى انفجر صخب الطلاب في الساحة، ضجيجٌ يغسل عناء اليوم.
هناك، ركضت نحوهما روميا، صديقة الطفولة التي أصبحت الآن عضواً في مجلس الطلبة، والابتسامة تملأ وجهها.
«أريا! لورا! هل نجوتما من فخ الرياضيات؟»
قالتها وهي تضحك.
ثم أردفت بحماس:
«لقد انضممت للمجلس، ومقعداكما ينتظرانكما.. ما رأيكما؟»
نظرت لورا إلى أريا بعينين تلمعان بالتواطؤ الجميل:
«ما رأيكِ؟ لنترك بصمتنا هنا».
ابتسمت أريا وأومأت بالموافقة.
وفي تلك اللحظة، لم تتمالك روميا نفسها، فاحتضنتهما بقوة طفولية.
كأن عِناقها ذاك كدرع ستحميهن من البرودة التي بدأت تتسلل إلى أروقة الأكاديمية مع وصول المدير الجديد.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"