مرت ثلاث سنوات، كأنها ومضة برقٍ
لكنها كانت كافية لتصقل تلك الفتاة الرقيقة وتجعل منها امرأةً تفيض نضجاً وسحراً.
في عامها الحادي والعشرين، لم تعد آريا مجرد طالبة تخشى نظرات القانون..
بل أصبحت أيقونة للأكاديمية؛ ملامحها ازدادت حِدّة وجمالاً، وعيناها اللتان كانت تملؤهما الحيرة يوماً..
باتتا تشعان بذكاءٍ واثق وهدوءٍ يأسر القلوب.
كانت الساحة الكبرى للأكاديمية ترتدي حلةً لم تشهدها من قبل.
الأعلام المخملية ترفرف عالياً، والزهور الأرجوانية والبيضاء – المفضلة لدى آريا –
تطوق الأعمدة الرخامية الضخمة.
اختلطت رائحة العطور الفاخرة بضحكات العائلات التي ملأت المدرجات.
و صوت الأجراس يعلن بدء مراسم التخرج.
وقفت آريا في الصف الأمامي، يحيط بها رفاق الدرب..
لورا التي كانت تمسك يد آريا بقوة، وعيناها تلمعان بدموعٍ لم تعد تستطيع حبسها.
و روميا و ماريوس اللذان وقفا بجانبهما بوقار.
وإن كان القلق قد رسم خطوطاً خفيفة على جباههم بانتظار اللحظة الحاسمة.
ساد صمتٌ مهيب حين اعتلى كبير الأساتذة المنصة، وفتح اللفافة المذهبة.
وما إن نطق الاسم:
” المرتبة الأولى على الدفعة.. الآنسة آريا بايلي !”
حتى انفجرت الساحة بالتصفيق الذي هزَّ أركان المكان.
التفتت آريا بذهول، فرأت مشهداً لن تنساه ما حييت..
والدتها تمسح دموع الفخر التي انهمرت دون استئذان.
والدها وجدها يقفان بشموخ، وعلامات الرضا ترتسم على وجهيهما كأنهما يريان حصاد سنين من الصبر.
سيمون أخوها الذي كبر وأصبح الآن طالباً في نفس الأكاديمية بزيّه الرسمي..
كان يصفق بحماس صبياني وفخرٍ لا يوصف بأخته الكبرى.
صعدت آريا درجات المنصة بخطواتٍ موزونة.
و الرياح تداعب خصلات شعرها التي تمردت من تحت قبعة التخرج.
كان لوكاس يقف هناك، بوقاره المعهود و بدلته الرسمية التي زادته هيبة..
لكن عينيه كانت تلمعان ببريقٍ خاص.. بريق لا يراه أحدٌ غيرها.
مدَّ يده ليسلمها الشهادة المربوطة بشريطٍ حريري، وحين تلاقت يداهما، لم يكتفِ بالرسميات.
انحنى قليلاً، وبالكاد لامست أنفاسه أذنها وهو يهمس بنبرةٍ رخيمة لم يسمعها غيرها:
“مباركٌ لكِ يا ملكة قلبي.. لقد رفعتِ رأسي عالياً كمدير، وأسرتِ روحي تماماً كزوجكِ المستقبلي..”
ارتبكت آريا فوراً، واصطبغت وجنتاها بلون الورد..
وشعرت بنظرات الطلاب والأساتذة تلاحقهما بابتساماتٍ ذات معنى.
فقد صار الجميع يعلم أن هذا المدير الصارم قد هُزم تماماً أمام ذكاء وجمال هذه الخريجة..
و أن حفل الزفاف المنتظر في الصيف سيكون حديث العاصمة بأكملها.
نزلت آريا من المنصة وهي تتحسس الشهادة بيد، والخاتم الذي لا يزال يزين إصبعها باليد الأخرى.
نظرت إلى السماء الصافية وأدركت أن المواجع قد انتهت حقاً..
وأن حياتها الحقيقية تبدأ الآن..
ليس كطالبة متفوقة فحسب..
بل كإمرأة اختارت أن تبني مستقبلها بجانب الرجل الذي كان ظلها وسندها في أصعب اللحظات.
تحولت التحضيرات إلى ملحمة من الأناقة تليق بعائلتين من أعرق عائلات المملكة.
في ردهة قصر “بايلي” الواسعة، سادت أجواء من الألفة الراقية..
حيث جلست السيدة إليز ليونارد بجانب السيدة صوفيا ، والكتالوجات المخملية لبيوت الأزياء العالمية مبعثرة أمامهما.
لم تكن إليز تعامل آريا ككنة ، بل كابنة ملكية.
كانت تشير بإصبعها المزين بالخواتم إلى تصميمات الدانتيل قائلة بصوتٍ واثق:
“آريا يجب أن تكون عروساً يتحدث عنها التاريخ يا صوفيا. أريد فستاناً يجمع بين جمالهاالهادئ ووقار سيدة عائلة ليونارد القادمة.”
بينما كانت آريا تبتسم بخجل وهي تراقب اهتمام والدتها وحماتها بأدق التفاصيل..
من طول الطرحة إلى نوع اللؤلؤ، وكأن المملكة بأكملها تستعد لتتويج ملكة.
في جهة أخرى من المدينة، كان لوكاس يقف في وسط ردهة فيلتهما الجديدة.
كانت الفيلا تحفة معمارية اختاراها معاً، لكن بصمة آريا كانت في كل زاوية..
الألوان غلب عليها الرمادي اللؤلؤي والبيج الدافئ، تماماً كما طلبت.
صمم لها لوكاس مكتبة عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف .
كان يسير بين الغرف، يلمس قطع الأثاث التي اختارتها آريا بذوقها الرفيع
ويشعر لأول مرة أن “المنزل” ليس مجرد جدران.
بل هو طيف تلك الفتاة التي ستملأ هذا المكان بضحكاتها قريباً.
كان السيد ليونارد ووالد آريا يراجعان قائمة المدعوين الطويلة.
كان الحفل سيُقام في “الحديقة الفاخرة” للقصر، والتي بدأت تتحول إلى غابة من الثريات الكريستالية المعلقة على الأغصان، وممرات مفروشة بالحرير الأبيض.
و داخل جناح آريا، كان الضجيج مختلفاً تماماً.
لورا وروميا استولتا على السرير، وبدأتا في استرجاع ذكريات السنوات الثلاث الماضية.
لورا:
“هل تذكرين حين كنتِ تهربين منه في الأروقة ؟ الآن أنتِ تعدين الثواني لتكوني معه في منزل واحد!”
روميا:
“آريا، نحن فخورات بكِ جداً. لقد أصبحتِ قدوة لنا في الصبر والذكاء.”
تعالت ضحكاتهن بينما كنّ يجربن مستحضرات التجميل ويخططن للغد..
وآريا تتأملهن بعينين تلمعان بالدموع، ممتنة لأن قدرها لم يمنحها حباً عظيماً فحسب.
بل صديقاتٍ كنّ الحصن المنيع لها في كل عثرة..
التعليقات لهذا الفصل " 40"