حيث تهمس أدوات المائدة الفاخرة فوق الأطباق الخزفية في رتابةٍ تعكس انضباط العائلة.
جلس لوكاس على يمين والده الذي استعاد عافيته ووقاره المعهود.
بينما كانت والدته، السيدة إليز، تراقب الأجواء بهدوئها الأرستقراطي.
وضع لوكاس منديله الورقي بهدوء، ثم نطق بكلماتٍ بدت كوقع الرصاص في الصالة الهادئة:
“لقد قررتُ الارتباط.. لقد خطبتُ فتاة.”
توقف والده عن تناول الطعام تماماً، ورفع رأسه بصرامةٍ بدت وكأنها تستجوب الهواء:
“ارتباط ؟ وفي هذا التوقيت ؟”
أما السيدة إليز، فقد غلف القلق ملامحها..
فهي تدرك تماماً أن ابنها البكر لا يلقي بالاً للتقاليد البالية أو “الزيجات المرتبة”.
وهمست بنبرةٍ مرتعشة:
“من هي يا لوكاس ؟ من أي عائلة ؟ أخبرني أنها تليق باسم ليونارد..”
وسط هذا التوتر الجليدي، انطلقت ضحكة مرحة من سيدريك.
الذي كان الشخص الوحيد الذي يجرؤ على كسر وقار والده:
” أوه ! أخيراً قرر الأسد أن يقع في الفخ ؟ أخبرنا يا أخي، من هي التي استطاعت ترويضك ؟ هل هي من عالم الإدارة أم أنها من سلالة المحاربين لتتحملك ؟”
ظل لوكاس محتفظاً بهدوئه الجليدي، لم تهتز نبرة صوته وهو يجيب والدته:
“إنها إبنة عائلة بايلي.”
ساد صمتٌ من نوعٍ آخر؛ صمتُ الذهول.
صرّ والده على أسنانه بخفة:
” ابنة يوجين بايلي ؟ إنها لا تزال طالبة في أكاديميتك يا لوكاس ! كيف فكرت في هذا التحالف الآن؟”
أجاب لوكاس ببرودٍ واثق:
“لن يكون هناك زواج قبل تخرجها، لقد كان ميثاقاً بيني وبين والدها. أما بالنسبة لكونها طالبة، فهذا لا يغير من حقيقة أنها الشخص الوحيد الذي أراه شريكةً لاسمي.”
حين سمعت السيدة إليز اسم ” بايلي”، تبدلت ملامحها تماماً.
عادت بذاكرتها إلى الحفلة الأخيرة التي أقامها بايلي ، تذكرت تلك الفتاة التي كانت تخطف الأنظار برقيّها وهدوئها الرصين.
تنفست الصعداء وقالت بابتسامةٍ بدأت تتسع:
” أريا.. نعم ، أذكرها جيداً. لقد كبرت لتصبح آية في الجمال والرزانة. يبدو أن ذوقك يا لوكاس لم يخب يوماً، لقد اخترت زهرةً لا تشبهها زهور العاصمة.”
حتى الأب، الذي كان يخشى المغامرات غير المحسوبة، بدأت صرامته تذوب أمام فكرة التحالف مع “آل بايلي”.
أومأ برأسه بوقار، وظهرت بارقة فرح نادرة على وجهه الصارم:
” السيد يوجين رجلٌ نثق بعهده، وابنته تحمل دماءً أصيلة.. لقد أحسنت الاختيار.”
وهنا، لم يترك سيدريك الفرصة تمر دون لمسته الكوميدية، فرفع كأسه محيياً شقيقه.
” أعترف لك يا أخي، كنت أظن أن قلبك مصنوع من صخر الأكاديمية، لكن يبدو أنك تملك ذوقاً رفيعاً في ‘صيد الجواهر’. أريا بايلي ؟ هنيئاً لك، لكن استعد.. فمنافسة جمالها ستكون أصعب من إدارة مئة أكاديمية !”
ضحك الجميع، وتحولت مائدة “ليونارد” الباردة إلى ساحةٍ للحديث الدافئ عن المستقبل
حيث امتزجت طموحات السياسة بمشاعر الحب الحقيقية التي بدأت تلوح في أفق العائلة.
هكذا، وبكلماتٍ قليلة، استطاع لوكاس أن يزرع الحب في أرض عائلته القاسية.
لتنتهي الليلة بضحكات سيدريك التي طردت وقار السنين، معلنةً عن فجرٍ جديد يجمع بين عرش ‘ليونارد’ وقلب ‘بايلي’.”
في صباح اليوم التالي..
حيث تفرضُ الفخامةُ صمتها الرصين، قطعت السيدة إليز حبل الهدوء الصباحي بقرارٍ لم يقبل النقاش.
وقفت أمام ابنها لوكاس، وهي تعدل قفازاتها الحريرية بوقار:
“أريدُ رؤيتها اليوم يا لوكاس، إنها كَنّتي المستقبلية، ولا مجال للتأجيل تحت ذريعة الانشغال.”
حاول لوكاس، ببروده المعتاد الذي يخفي خلفه رغبة في حماية أريا من “تحقيقات” والدته الأرستقراطية أن يتذرع بالأعذار:
“أمي، أريا مثقلة بالدراسة الآن، وضغط الأكاديمية في بداية الفصل لا يرحم..”
لم تتمالك إليز نفسها، فضحكت وربتت على مرفقه برفق ومشاكسة:
“لا تتدخل بيني وبين ابنتي ! لقد اتخذتُ قراري، والكلمةُ لي اليوم.”
وبالفعل، طار التلغراف إلى السيدة صوفيا بايلي.
التي استقبلت الخبر بقلبٍ مفتوح، لتردَّ بدعوةٍ رسمية لعشاءٍ يجمع العائلتين تحت سقفٍ واحد..
احتفاءً بهذا النسب الذي سيغير وجه العاصمة.
و مع حلول المساء، توقفت العربة الملكية لآل ليونارد أمام قصر بايلي العتيق.
كان الاستقبال حاراً يليق بعظمة العائلتين.
حيث وقف يوجين وصوفيا بابتساماتٍ صادقة تعكس دفء انتمائهم الذي لا تكسره الرسميات.
حين دلفوا إلى الردهة، كانت أريا تقف بجانب سيمون ، تبدو كأيقونةٍ نُحتت من ضياء الشتاء.
بينما كان لوكاس يراقبها بنظرةٍ فخورة، كأنه يقول للعالم بصمت:
“هذه هي ملكتي.”
هنا، قرر سيدريك، الأخ المشاكس، أن الوقت قد حان لكسر وقار شقيقه “الرزين”.
وضع شوكته ببطء، ونظر إلى لوكاس بنظرة لعوب، ثم قال بصوت مسموع جذب انتباه الجميع:
” أتدري يا والدي ؟ أنا اليوم أشاهد معجزة حقيقية ! لطالما ظننت أن ‘المدير لوكاس’ لا يعرف في حياته سوى لغة الأرقام والقرارات الجافة، لكنني أراه اليوم صامتاً بطريقة مريبة.. يبدو أن هناك من استطاع أخيراً سحب البساط من تحت قدمي ‘الرجل الحديدي’ وجعله ينسى حتى كيف يُلقي خطاباً !”
ضحك الجميع على هذا الوصف، فأكمل سيدريك وهو يغمز للوكاس بمرح:
” أخي، نصيحة لك.. لا تحاول التظاهر بالوقار الزائد الآن، فعيناك تقولان كلاماً لم تقله في أعظم محاضراتك ! كان الله في عون الأكاديمية غداً، فمديرها يبدو غارقاً في تفكيرٍ بعيد جداً عن شؤون الطلاب والميزانيات.”
انفجر يوجين ضاحكاً وهو يربت على المائدة.
بينما حاول لوكاس إخفاء ابتسامته خلف منديله وهو يهز رأسه بيأس من مشاكسة شقيقه.
وقال بنبرة هادئة:
“سيدريك، ركز في طبقك واترك شؤون الإدارة لأهلها، يبدو أن الثلج قد أثّر على صوابك.”
ضحكت السيدة إليز وصوفيا معاً، فقد نجح سيدريك في تحويل العشاء الرسمي إلى جلسة عائلية دافئة.
أما أريا، فقد شعرت براحةٍ غامرة لأن سهام المزاح كانت موجهة للوكاس لا إليها.
مما جعلها تبتسم بعفوية وهي تراقب هذا التلاحم اللطيف بين عائلتها وعائلتها الجديدة.
انتهت الأمسية، لكن صدى الضحكات ظل يعطر أرجاء القصر.
غادرت عائلة ليونارد وهم يحملون في صدورهم صورة أريا الرقيقة، بينما بقيت أريا تراقب طيف عربتهم من النافذة.
وهي تدرك أن هذا ‘الارتباك’ الجميل هو بداية لأجمل ‘ملاذ’ قد يعرفه قلبها يوماً..
التعليقات لهذا الفصل " 38"