كانت العاصمة تتنفس بياضاً ملكياً؛ نُدف الثلج تتساقط في رتابةٍ ساحرة كفراشاتٍ قطنية..
تفرشُ الأرصفة العريضة بسجادٍ مرمرِيٍّ ناعم.
انطلقت أريا ومعها سيمون، يرافقهما مثلث الصداقة الوفي.
لورا ، روميا ، ماريوس..
كانت الأجواء مشحونة بطاقةٍ لا تعرف البرد، فدفءُ لقائهم كان كفيلاً بإذابة الجليد تحت أقدامهم.
“سيمون، احذر!”
صاحت لورا بضحكتها المجلجلة وهي تُكوّر قبضة من الثلج وترشق بها ماريوس ببراعة
“مرحباً بك في شتاء العاصمة، حيث القلوب أدفأ من المعاطف!”
ضحك سيمون بانبهار، وعيناه الصغيرتان تلمعان وهو يرى الميادين الكبرى لأول مرة بهذا الثوب المهيب.
انخرط الجميع في “حرب ثلجية” عفوية..
كانت ضحكاتهم تخترق سكون الشتاء، وماريوس يحاول عبثاً الحفاظ على وقاره..
قبل أن يسقط ضحية لضربة ثلجية مباغتة من روميا الهادئة التي لم تكن تخطئ هدفها أبداً.
قالت أريا وهي تمسح ندف الثلج عن معطف سيمون بحنانٍ غامر:
“هل ترى يا سيمون ؟ هنا، خلف تلك الأعمدة الحجرية العتيقة، تكمن حكايات أجدادنا.”
كان سيمون يمسك يد أخته بقوة، مأخوذاً بتفاصيل المدينة
الأضواء الدافئة التي بدأت تشتعل في نوافذ المتاجر
وباعة الحلوى الساخنة الذين يملأون الزوارق الهوائية برائحة السكر والقرفة.
انتقلوا بعد ذلك إلى قلب الأسواق العريقة، حيث الممرات المرصوفة بالحصى والمحلات التي تزدحم بالتحف اليدوية النادرة.
كان سيمون ينظر إلى واجهات العرض وكأنه يكتشف عالماً موازياً.
أخذت أريا دور “الدليل السياحي” الودود، تشير بيديها نحو الساعات البرونزية والمباني ذات الطراز المعماري الفريد، وتهمس له بزهو:
“هذا الميدان يا سيمون، كان يوماً شاهداً على أعظم احتفالات عائلتنا، وهنا سيُكتب مستقبلك أيضاً.”
كانت لورا تضفي لمسة من البهجة على الجولة، وهي تتوقف عند كل مرآة زجاجية، تتساءل بمرح:
“أريا، هل تظنين أن قبعتي المكسوة بالثلج تجعلني أبدو كملكة الشتاء، أم كفطرٍ أبيض ضائع؟”
ليجيبها ماريوس بضحكة ساخرة:
“بل ككرة ثلج توشك على الانفجار ضحكاً!”
بعد ساعات من المرح، استقر بهم المقام في مطعمٍ فاخر يطل على الساحة الكبرى.
يفوح برائحة البن المطحون والأخشاب العتيقة.
الجدران كانت مزينة بلوحاتٍ زيتية، والمدفأة الكبيرة في الزاوية .
جلسوا حول طاولة مستديرة، وقد احمرّت وجناتهم من أثر الصقيع.
نزعت أريا وشاحها ولفّته حول كتفي سيمون بعناية
بينما كان النادل يقدم لهم الشوكولاتة الساخنة يعلوها جبل من الكريمة البيضاء.
ساد جوّ من الهدوء العميق حين قال سيمون بصوتٍ رقيق:
“أريا، لم أكن أعلم أن العاصمة بهذا الجمال.. هل كانت دائماً هكذا؟”
ابتسمت أريا بمرارةٍ عذبة، ونظرت إلى أصدقائها الذين بادلوا سيمون نظرات ممتلئة بالحب.
قالت روميا بنبرتها الرزينة:
“العاصمة جميلة دائماً يا سيمون، لكن جمالها كان باهتاً في غيابك.. واليوم فقط، استعادت ألوانها الحقيقية.”
ارتشفوا مشروباتهم الدافئة، وبينما كان البخار يتصاعد من الأكواب ليلامس برودة الهواء
كانت الأحاديث تنسابُ كالنهر؛ لورا تحكي قصص الأكاديمية المضحكة
وماريوس يعد سيمون بجولةٍ في اسطبلات الخيول، وأريا تراقب هذا المشهد بامتنانٍ صامت.
في تلك اللحظة، لم يكن الثلج في الخارج يمثل البرد، بل كان ستارةً بيضاء تحجب عنهم العالم، ليبقى فقط دفءُ الانتماء.
وعلى تلك الطاولة، ذابت برودة الشتاء تحت حرارة القلوب المتآلفة
ليُدرك سيمون أن العاصمة ليست مجرد شوارع ومبانٍ
بل هي حكاياتٌ تُحكى بلسان من نحب تحت سماءٍ واحدة.
التفت عائلة “بايلي” حول مائدة العشاء في القصر، حيث يرقص ضوء الشموع على الأطباق الفاخرة.
و يخيم هدوءٌ لم يقطعه سوى رنين الأواني الخفيف.
كان يوجين يتأمل وجوه عائلته بامتنان، قبل أن يضع شوكته جانباً
ويأخذ نفساً عميقاً غيّر نبرة الجلسة تماماً.
” لقد زارني السيد لوكاس ليونارد اليوم في المكتب.”
سقطت الكلمات كحجرٍ في بركةٍ راكدة..
شعرت أريا ببرودةٍ مفاجئة تسري في أطرافها.
وخفق قلبها بقوة كطائرٍ حبيس يحاول الفرار من صدرها.
أكمل يوجين بهدوء:
“لقد جاء طالباً يد أريا للزواج.”
هنا، انصدمت صوفيا؛ شحب وجهها وامتزجت ملامحها بقلق الأم المفجوعة بفكرة الفقد ثانية.
” زواج ؟ يوجين، لم يمر على شملنا إلا أيام ! ابنتي لم تكد تستريح في حضني ، كيف لها أن تغادرني الآن لبيتٍ آخر؟ “
بجانبها، بدا سيمون منزعجاً وقلقاً، قطب حاجبيه بشدة.
فهو الذي وجد أخته أخيراً، لم يتخيل أن يأتي “غريب” ليخطفها من عالمهم بهذه السرعة.
مدّ يوجين يده الدافئة، ووضعها فوق يد صوفيا المرتجفة ليطمئنها، وقال بنبرة حانية:
“اهدئي يا عزيزتي .. لقد فكرتُ في ذات الأمر، ولوكاس كذلك. لن ترحل أريا الآن، ولن يكون هناك زواج قبل أن تنهي دراستها وتعيش بيننا ما فاتها من سنوات. لقد كان مجرد ميثاقِ وعدٍ، واتفاقِ قلوب.”
بينما كانت صوفيا تستعيد هدوءها بفضل كلمات يوجين.
كانت أريا تغرق في دوامة من التساؤلات:
هل يبادلني الشعور حقاً ؟
متى و كيف ؟
وهل كان اندفاعه لحمايتي نابعاً من هذا الحب ؟
شعرت بحرارةٍ تجتاح وجنتيها، وأطرفت بعينيها الرماديتين محاولةً تجنب نظرات والدها الثاقبة.
ابتسم يوجين ابتسامةً خفية ؛ فقد قرأ في ارتباك ابنته ما عجز لسانها عن قوله.
أراد أن يستنطقها، فقال بمكرِ الأب الحنون:
“أريد أن أسمع رأيكِ يا أريا.. ما قولك في هذا العرض ؟”
حاولت أريا استجماع كبريائها، وقالت بصوتٍ حاولت جاهدة أن تجعله عملياً:
“إذا كانت هذه الزيجة ستمثل صفقة جيدة بين عائلتينا، وتضمن استقراراً تجارياً، فسأكون.. سأكون سعيدة بالقيام بذلك من أجل العائلة.”
هنا قاطعتها صوفيا بحدةٍ ممزوجة بالخوف:
” لا يا ابنتي ! لن نكون يوماً ممن يقايضون سعادة أبنائهم بالمصالح السياسية أو الصفقات. إذا كنتِ لا تميلين له، فلا تفعلي ذلك من أجلنا.”
نظر يوجين إلى صوفيا ، ثم نقل نظره إلى أريا التي كانت تعبث بطبقها بوجل، وقال بيقينٍ هادئ:
” صوفيا، اطمئني.. ابنتكِ موافقة، لكن ليس من أجل اسم ‘بايلي’ أو ‘ليونارد’.. بل لأنها وجدت في ذاك الشاب ما لم تجده في غيره.”
ساد صمتٌ جميل، شعرت فيه أريا بأن والدها قد كشف ستر قلبها..
لكنها شعرت بالأمان لأن هذا السرّ بات عهداً عائلياً.
تنفس سيمون الصعداء حين علم أن أخته لن ترحل غداً.
وعادت الحيوية للمائدة، لكن بنكهةٍ جديدة..
نكهة مستقبلٍ يُبنى على الحب لا على مجرد المصالح.
انتهى العشاء، لكن مفعول كلمات يوجين ظل يسري في أرجاء القاعة
حيث باتت أريا تنظر نحو النافذة باتجاه الحديقة..
وهي تدرك أن شمس الغد لن تشرق على العاصمة وحدها.
بل ستشرق في عمق قلبها أيضاً.
التعليقات لهذا الفصل " 35"