انتقلا إلى الأريكة الجلدية الوثيرة في زاوية المكتب.
حيث قدم مارك الشاي الإنجليزي الفاخر ببراعة، ثم انسحب بهدوء تاركاً الرجلين أمام الحقيقة.
ساد صمتٌ قصير، قطعه يوجين بنبرةٍ ممتنة:
” السيد لوكاس.. أردتُ استدعاءك لشكرك. لولا تلك الرسالة التي أرسلتها، ولولا وقوفك بجانب أريا في غيابي، لما كنا هنا اليوم. لقد فعلتَ ما يعجز عنه الكثيرون.”
خفض لوكاس رأسه قليلاً، وقال بصدقٍ يخرج من أعماق قلبه:
“سيد يوجين، لم أفعل ذلك طلباً لشكر. لقد فعلته لأن حماية أريا كانت.. كانت ضرورةً تفرضها الروح قبل الواجب.”
أخذ لوكاس نَفَساً عميقاً، وقرر أن يلقي بورقته الأخيرة:
“سيدي.. جئتك اليوم بطلبٍ يتجاوز حدود العمل. أنا أطلب يد ابنتك أريا.”
اتسعت عينا يوجين، وتجمدت كوب الشاي في يده لثوانٍ.
ساد صمتٌ ثقيل، أخذ فيه يوجين يحلل المشهد بعين الأب الخبيرة.
تذكر اندفاع لوكاس، حماسه، وخوفه على أريا؛ أدرك الآن أن كل ذلك لم يكن مجرد “شهامة” تجاه طالبة مظلومة.
بل كان حباً عاصفاً يسكن قلب هذا الشاب.
شعر يوجين بالاطمئنان؛ فلوكاس هو الرجل الذي اؤتمن على أريا وهي وحيدة..
فكيف لا يؤتمن عليها وهي في كنف أبيها ؟
لكن.. غصةً اعتصرت قلبه.
أريا بالكاد عادت لحضنه. صوفيا وسيمون لم يرتويا من وجودها بعد.
وهي لا تزال في الثامنة عشرة، زهرةً لم تتفتح بالكامل بعد.
قال يوجين بهدوءٍ حذر:
” سيد لوكاس.. أنت نعم الرجل، ولا أجدُ لابنتي أحقّ منك. لكنها لا تزال في الثامنة عشرة، وبالكاد لممنا شتات عائلتنا. كيف لي أن أزوجها الآن وأنا لم أشبع من رؤيتها بعد؟”
شعر لوكاس براحةٍ غريبة؛ فرفض يوجين لم يكن لشخصه بل للظرف.
قال لوكاس بابتسامةٍ هادئة :
“سيد يوجين، صدقاً.. فكرتُ في الأمر ذاته وأنا في طريقي إليك. كيف لي أن أنتزعها من أحضانكم وهي لم تهنأ بكم بعد؟ بل وأزيدك من الشعر بيتاً..”
ضحك لوكاس بخفة وأكمل مداعباً:
“أنا لستُ في عجلةٍ من أمري لأتزوج ‘طالبتي’ الآن، وإلا ستظن الأكاديمية أنني أمنح درجاتٍ إضافية لزوجتي المستقبيلة ! دعها تتخرج أولاً، وحينها سأكون أول الواقفين ببابك.”
انفجر يوجين ضاحكاً، وربت على كتف لوكاس بقوة:
“أعجبني منطقك يا سيد لوكاس ! إذاً، أنت تريد حجز ‘الجوهرة’ قبل أن يراها أحد غيرك، وتنتظر حتى تصبح هي جاهزة؟”
أجاب لوكاس بمرح:
“بالضبط ! أريد ‘عقداً مبدئياً’ غير قابل للإلغاء، تماماً كصفقاتنا التجارية.”
عاد الهدوء ليسكن الجلسة، لكنه كان هدوءاً مليئاً بالبشرى.
قال يوجين بجدية محبة:
“موافق يا سيد لوكاس. أنت الشخص الذي سأئتمنه على قلبي قبل ابنتي. لكن، القرار الأول والأخير لها. سأتحدث معها ومع والدتها، وسأرد عليك قريباً.”
تنفس لوكاس الصعداء ، وشعر كأن ثقلاً بحجم الجبال قد انزاح عن صدره.
كان واثقاً من مشاعر أريا ، فعيناها الرماديتان لم تكن تكذبان أبداً.
وقف لوكاس مودعاً، وبدا وجهه أخيراً كوجه ذلك “الأسد” المنتصر، لكن بلمسةٍ من تواضع المحب.
خرج من المكتب وهو يهمس لنفسه:
” الأن بعد حصولي على الموافقة .. بقي أن أخبر عائلتي .”
غادر لوكاس والمكان خلفه لا يزال يعبق برائحة الاتفاق الذي لم يُكتب على ورق.
التعليقات لهذا الفصل " 34"