بعد أسبوع من التحضيرات التي لم تهدأ، جاءت الليلة التي حبست أنفاس الطبقة المخملية.
أمام البوابة الحديدية الشاهقة لقصر “بايلي”.
اصطفت فيالق من العربات الكلاسيكية وسيارات الليموزين السوداء..
التي كانت تعكس أضواء القصر المنبعثة من النوافذ العالية كأنها جواهر منثورة في ليل الشتاء.
كان المشهد لوحةً سريالية؛ حيث تعانق بياض الثلج القارس على جانبي الطريق مع حمرة السجاد الملكي الذي امتد بزهوٍ من البوابة حتى الردهة الكبرى..
كأنه شريانٌ دافئ يتدفق وسط صقيع الغياب.
دخل النبلاء ببدلاتهم المثقلة بالأوسمة، تتبعهم السيدات بفساتين الحرير والدانتيل التي كانت “توشوش” الأرض مع كل خطوة.
تعالت أصوات المجاملات المنمقة، وارتفعت كؤوس الكريستال تحت ثريات ضخمة بدت كأنها دموع ماسية متجمدة في الفراغ.
وكان الهمس يملأ القاعة كالنار في الهشيم:
“هل رمما حقاً حطام الماضي؟”
“وكيف سيكون حال الوريث الذي حجبته السنون؟”.
وسط صمتٍ مهيب، وقف يوجين وصوفيا أمام القاضي.
لم تكن نظراتهما هذه المرة نظرات زوجين شابين يملؤهما الحماس..
بل كانت نظرات ناجين عبروا جحيم الفقد معاً وعادوا بقلوبٍ صهرتها التجارب فصارت أنقى.
ارتدت صوفيا فستاناً من الساتان العاجي يلفها بوقار الملكات، بينما كان يوجين يشد على يدها بقوة
كأنه يمسك بآخر خيطٍ لحياته التي كادت أن تضيع.
وعندما نطق القاضي بكلمات الميثاق، لم تخرج الـ “نعم” عادية..
بل كانت صيحة انتصار تمحو مرارة الطلاق وسنين الشتات.
ومع تعالي التصفيقات التي اهتزت لها جدران القصر العتيقة
انحنى يوجين ليطبع قبلةً على جبين صوفيا.
هامساً بصوتٍ مخنوق بالعبرات:
“الآن فقط، استرد صدري نبضه المستباح.”
وبينما كانت العيون شاخصة نحوهما، خطا يوجين خطوةً للأمام.
واضعاً يده على كتف شابٍ فارع الطول، يرتدي بزة عسكرية سوداء ذات ياقة عالية.
ملامحه نُحتت من صخر الشموخ ونبل الأصل.
قال يوجين بصوتٍ جهوري زلزل أركان القاعة:
“أيها السادة، يسعدني في هذه الليلة المباركة أن أقدم لكم من سيحمل إرث ‘بايلي’ من بعدي.. ابني ووريثي، سيمون.”
ساد ذهولٌ مشوب بالإعجاب؛ فسيمون لم يكن مجرد شابٍ وسيم ورث ملامح والده.
بل كان كتلة من الهيبة العسكرية التي غلفتها أرستقراطية فطرية.
حيا سيمون الحضور بوقارٍ مدروس ونظرةٍ ثاقبة، معلناً بداية عهدٍ لا يعترف بالضعف.
في ركنٍ بارز، كانت عائلة ليونارد ترقب المشهد بفخامتها المعهودة
لكن لوكاس كان في ملكوتٍ آخر.
كان مستنداً إلى عمود رخامي، وعيناه مسمرتان على أريا، لم يره غيرها.
لم تلتفت حواسه لضجيج السياسة ولا لجمال الحاضرات..
كان يراقبها وهي تتحرك بزهو المنتصرة التي استعادت عائلتها أخيراً.
كان يرى في بريق عينيها مرفأً آمنًا بعد عواصف طويلة.
همس في نفسه وهو يرى مشبك الشعر المرصع بالزمرد يتلألأ في خصلات شعرها كأنه نجمة هبطت لتستريح:
“كم يليق بكِ هذا المجد، يا من كنتِ دائماً بوصلة قلبي في تيهه.”
تدافع النبلاء لتقديم التهاني، واختلط تملقهم بصدق اللحظة:
“مبارك لك يا سيد يوجين، لقد استعاد القصر روحه المحبوسة!”
انحنى أحد النبلاء لسيمون قائلاً:
“دماء ‘بايلي’ القوية تجري في عروقك كالنار يا سيدي الشاب.”
رد سيمون بابتسامة هادئة وثقة مطلقة.
انتهت الليلة، والجميع يدرك أن “بايلي” لم تعد مجرد اسم لعائلة.
بل غدت قلعة حصينة شُيدت أحجارها من جديد..
بدفء الحب وعنفوان الانتماء.
التعليقات لهذا الفصل " 31"