لم تكن الجدران هي ما يُرمم فحسب، بل كانت شروخ القلوب هي التي تُجبر.
في الردهة الكبرى، كانت صوفيا تشرف على تنسيق الزهور وكأنها تزرع الأمل في الأرجاء.
اقترب منها رئيس الخدم ألبرت بخطواته الهادئة، يحمل صينية عليها كوب شايها المفضل.
وقال بنبرة يغلفها الامتنان العميق:
“سيدتي، منذ عودتكِ والقصر لم يعد بحاجة لمصابيح إضافية؛ فوجهكِ والضحكات التي استوطنت المكان كافية لتضيء عتمة سنواتنا العجاف.”
التفتت إليه صوفيا بابتسامة حانية، وربتت بيدها الرقيقة على كتف مونيكا التي كانت تشاركها العمل:
“لا تقل هذا يا ألبرت، فالنور الحقيقي هو دفء أرواحكم حولنا. أخبرني بحق، هل ينال الجميع قسطاً من الراحة؟ لا أريد لبهجة التحضيرات أن تُثقل كاهل أحدكم بالتعب.”
ردت مونيكا وعيناها تلمعان بدموع التأثر:
“سيدتي، في حضرة عطفكِ يذوب العناء. لقد كنا نعيش في صحراء قاحلة، حتى جئتِ أنتِ فكنتِ الغيث الذي أحيا القلوب.”
في الطابق العلوي، خطا يوجين داخل غرفة سيمون الجديدة.
لم تكن مجرد مساحة للسكن، بل كانت “محراباً” يجمع بين الفخامة والسكينة.
لتلقي بظلالها الدافئة على قطع الأثاث الأبنوسية الفاخرة.
كان سيمون يطيل النظر في صورة عائلية استقرت على مكتبه.
فدنا منه يوجين ووضع يده الثقيلة—بوقار الأب وحنانه—على كتف ابنه، محاولاً بلمسته تلك أن يرمم جسور ما فاتهما من سنين.
سأله بصوتٍ رخيم:
“سيمون، هل استكانت روحك لهذه الغرفة ؟ لقد اخترتُ موقعها لتكون ظلاً لغرفة أريا، وهي التي ألحت عليّ ليكون ركنك بجانبها.”
التفت سيمون، ولأول مرة غابت الصرامة عن ملامحه الحادة ، ليحل محلها بريق طفوليّ ساكن:
“لم أعتد أن يكون لي ‘انتماء’ لمكان يا أبي. في الماضي، كانت الجدران مجرد سقفٍ يقيني المطر، أما هنا.. فأشعر أن الغرفة قطعة من ذاتي. شكراً لك.”
وفي تلك اللحظة، انفتحت الأبواب بعفوية حيث اقتحمت أريا الغرفة حاملةً وشاحاً صوفياً.
نسجته بخيوط المحبة، وارتمت بينهما بضحكة صافية كالجرس:
“سيمون! جئتُ لأتأكد أنك لن تحول غرفتك إلى ثكنة عسكرية جافة! انظر، هذا الوشاح لك؛ ليتغلغل الدفء في جسدك، ولتتذكر دائماً أن حرارة هذا القصر لا تنبع من حطب المدفأة، بل من نبضنا معاً.”
ضم يوجين ولديه إلى صدره، في عناقٍ اختصر أبجديات الوجع الطويل، وقال بصوتٍ متهدج من فرط التأثر:
“أريا.. سيمون.. أنتما أرثي الحقيقي. ومنذ اليوم، لن تكون غرفكما مجرد جدران صماء، بل حصوناً منيعة تفيض بالحب.”
بدأت الاستعدادات لليلة “عقد القران” و ظهور “سيمون” الأول تتخذ طابعاً احتفالياً دافئاً.
كان يوجين قد عزم أن يكون الحفل رسالة حب لا استعراض قوة، قائلاً لألبرت:
“يا ألبرت، أريد لكل تفصيلة أن تنطق بالرقي، وتأكد من قائمة المدعوين؛ فلا تطأ أرض قصري قدمُ من تجرأ يوماً على الإساءة لصوفيا ولو بكلمة.”
أومأ ألبرت بتقدير:
“أمرك سيدي، سأجعل من الحفل حصناً لا يدخله إلا المحبون.”
وعندما أسدل الليل ستاره، غرق القصر في صمتٍ مهيب، كأنها قصيدة لم تكتمل بعد.
صمتٌ لم يكن وحشة، بل كان أنفاساً هادئة لقلوبٍ وجدت أخيراً مرفأها بعد طول إبحار.
في الصباح، كان التوتر يغيم في عيني أريا الرماديتين وهي تتأمل انعكاسها في المرآة.
كانت الاختبارات كابوساً ممتداً؛ فبين جسدٍ أنهكه المرض وروحيٍ استنزفها ظلم “أريستا”، شعرت أن حلم الصدارة يتبخر كالدخان.
دخلت صوفيا واحتضنت كتفي ابنتها، قائلة بنبرة تمحو القلق:
“أريا، يا حبيبتي .. النجاح ليس مجرد رتبة تُخط على الورق. النجاح الحقيقي هو وقوفكِ بشموخ رغم كل العواصف. حتى وإن لم تكوني الأولى اليوم، فأنتِ دائماً سيدة القمة في أعيننا، والفصول القادمة تنتظر ريشتكِ لتكتبيها.”
وعند نزولها، وجدت سيمون ينتظرها عند الباب، ممسكاً بمعطفها بوقاره المعتاد الذي امتزج بلينٍ أخويّ:
“لا ترهقي عقلكِ بالنتائج يا أختي. إن خانكِ الورق، فذكاؤكِ يلمع في عينيكِ كالشمس. نحن هنا بانتظاركِ.. فخراً بكِ كيفما كانت النتيجة.”
القمة لا تليق إلا بالزهور القوية
وصلت أريا إلى الأكاديمية حيث كسا البياض الساحات، مما دفع الإدارة لنقل النتائج إلى الممر العريض المحاذي للمكتبة.
هناك، ركضت نحوها لورا بحماس جارف:
“أريا ! أخيراً ! الممر يغص بالطلاب، والرؤية هناك تشبه معركة حقيقية!”
ضحكت روميا وهي تعدل وشاحها:
“لا تقلقي، لقد سمعتُ همسات بين الأساتذة عن ورقة إجابة كانت سيمفونية من الإبداع.. أنا يقينة أنها ورقتكِ!”
تزاحم الطلاب، واختلطت الأنفاس الدافئة ببرودة الجو لتصنع ضباباً كثيفاً.
وسط شهقات الفرح وصرخات الخيبة، شقت أريا طريقها بقلبٍ يقرع كالطبل، حتى وصلت إلى القائمة المعلقة.
مررت أصابعها المرتجفة على الأسماء، صعوداً.. حتى توقفت عند السطر الأول:
“أريا يوجين بايلي — المرتبة الأولى”
من نافذة مكتبه العالية، كان لوكاس يراقب المشهد بجمودٍ مصطنع يخفي خلفه بركاناً من الإعجاب.
لم يكن بحاجة لقراءة القائمة؛ فبمجرد أن رأى ابتسامة أريا التي أضاءت المكان وسط زحام الأجساد، خفق قلبه خفقةً متمردة لم يعهدها.
ابتسم لنفسه وهمس بصوتٍ رخيم:
“مذهلة ، تفرضين سطوتكِ على القمة. أيّ روحٍ فولاذية تسكن ذلك الجسد الرقيق؟”
شعر لوكاس بانبهارٍ لم يسبق له مثيل؛ فأريا كانت تجسيداً للقوة التي لا تكسرها الأنواء.
وبينما كانت هي تحتفل تحت ندف الثلج المتساقطة..
كان هو يدرك أن “بوصلة قلبه” قد اهتدت أخيراً لوجهتها الصحيحة.
تطايرت ندف الثلج لتستقر على كتفيها، وكأن السماء تضع تيجان النقاء فوق رأسها.
فاليوم، لم تنتصر أريا على الورق فحسب، بل أعلنت للعالم أن الزهور الأكثر فتنة هي تلك التي تختار الإزهار في قلب الشتاء.
“فالقمة لا تليق إلا بمن صهروا أوجاعهم، ليصيغوا منها تيجاناً من ذهب.”
التعليقات لهذا الفصل " 30"