بينما كانت أريا تستعد للمضيّ نحو الأكاديمية..
استوقفتها ذكرى ذلك المنديل الذي أعارها إياه المدير لوكاس في لحظة ضعف.
كان بين يديها الآن، ناصع البياض بعد أن اعتنى الخدم بغسله وكيّه، تفوح منه رائحة النظافة التي تذكرها به.
فكرت في إعادته إليه كما هو، مجرد قطعة قماش تُردّ مع كلمة شكر فاترة، لكنّ شيئاً ما في صدرها أبى ذلك..
أرادت أن تترك معه أثراً منها، شيئاً يخبره أنها ليست مجرد طالبة عابرة.
اندفعت تبحث في أدراج مكتبها بأنامل يرتجفُ فيها القلق ، حتى عثرت على مأربها..
علبة صغيرة مكسوة بالمخمل القاني. وبجانبها، كان هناك قلمان مذهبان متطابقان تماماً في الشكل.
لكنهما يختلفان في القيمة الوجدانية
أحدهما قلم عادي تلقته هدية، والآخر هو أغلى ما تملك، هدية والدتها حين تعلمت الكتابة.
وقد نُقش عليه بخطٍ مجهريّ كلمة “نبضي”.
بسبب ارتباكها الشديد وتصارع الأفكار في رأسها، طوت المنديل ووضعته في العلبة.
ثم تناولت أحد القلمين بسرعة وألقته بجانبه وأغلقت العلبة فوراً وهي تهمس:
“يا لي من مجنونة ! ماذا سيرى في هديتي ؟ هل سيعتبرها تجاوزاً للحدود؟”.
لم تدرك أريا في تلك اللحظة، وهي تُحكم إغلاق العلبة، أنها في زحمة خوفها قد التقطت القلم الخطأ..
القلم الذي يحمل سرها وذكرى والدتها.
خرجت أريا تشق طريقها، والشعور بالخفة يغمرها رغم ثقل الاختبارات.
كانت الثلوج تتساقط، فالتفت بمعطفها الصوفي الأحمر وأحكمت وشاحها.
كانت كل خطوة تغرسها في الثلج يقابلها سؤال مرير:
“هل لرجل مثله، تطارده نظرات الإعجاب من الجميع، أن ينظر لفتاة مثلي؟”.
بعد الاختبار، سارعت نحو مكتبه تقودها نبضات قلبها، لكن على أعتاب المكتب، تجمدت الدماء في عروقها.
انفجر صوت لوكاس الغاضب من الداخل كصاعقة رعدية.
كان يوبخ الإداريين بنبرة حادة لم تعهدها فيه من قبل.
تراجعت أريا بخوف طفولي؛ هذا الجانب المظلم منه جعلها تشعر بضآلتها.
تركت أريا العلبة المخملية لدى السكرتير ولاذت بالفرار.
وقف السكريتر مبهوتاً ، يقلب العلبة بين يديه بتوجس.
فكر للحظة ‘ هل تجرأت طالبة على مراسلة المدير بهذا الشكل؟’
كان سيهم بالرفض و التوبيخ..
لكنه تراجع ، فليس من شأنه أن يضع حواجز أمام ما قد يخص سيده..
داخل المكتب، كان الصمت الذي أعقب العاصفة ثقيلاً. رفع لوكاس يده ومسح وجهه بقوة، فقد رأى طيفها يهرب من أمام باب مكتبه.
وآلمه أنه جعلها ترى جانبه الذي لا يرحم.
رفع لوكاس يده الكبيرة و مسح وجهه بقوة مفرطة ، و كأنه يحاول إزاحة ملامح الغضب التي تلبسته.
ثم تخللت أصابعه شعره الأسود الفاحم يعبث به في حركة عصبية تعكس ثورته الداخلية.
لقد رأى خيالها..
رأى إرتجاف كتفيها و تراجعها المذعور للخلف قبل أن تختفي في الممر كطيفٍ مرعوب.
كان سبب هذا الانفجار البركاني تقريراً وضعه سكريتره أمامه.
يكشف فضيحة أخلاقية و مالية بطلها ” جاك ” المسؤول عن إدارة الأعمال.
لقد تجرأ على سرقة عرق العمال ، مدعياً دفع أجورهم بينما كان يكدس الأموال في جيبه الخاص.
لم يكن لوكاس شيئاً قد كرهه.
مثل الكذب و الخداع..
فبالنسبة له ، الكلمة عهد و الخيانة طعنة لا تُغتفر..
” كيف تجرأ على ظني مغفلاً إلى هذا الحد”.
همس لنفسه بنبرة حادة كالنصل.
لكن سرعان ما انحرف مجرى أفكاره نحوها.
” أريا”.
لماذا جاءت ؟
هل هي بخير؟
هل كانت تحتاج لمساعدتي و تعثرت في غضبي بدلاً من ذلك ؟
لم يعد يطيق رؤية الوجوه الواجمة للإداريين الواقفين أمامه كالتماثيل
و بنبرة قاطعة لا تقبل النقاش، أشار بيده نحو الباب صائحاً :
” إنصرفوا جميعاً ، لا أريد رؤية أحد منكم الأن”
هرع الجميع للخارج ، يتنفسون الصعداء لنجاتهم من غضبه مؤقتاً.
فكر لوكاس في جاك، لقد حالفه الحظ بعدم الحضور اليوم.
لكنه لم يدرك أنه وقع في فخ نمر لا يترك فريسته.
سرقة الأموال لسنوات و تدنيس إسم الأكاديمية بالخداع .
ثمن ذلك سيكون باهظاً جداً .
دخل السكرتير بحذر ومد يده بالعلبة:
“سيدي.. لقد تركت الطالبة أريا هذا لك”.
توقفت أنفاس لوكاس، وخطف العلبة بلهفة أخفاها وراء صرامته:
“ضعها وانصرف!”.
بمجرد أن أصبح وحيداً، فتح العلبة.
لم يتوقف طويلاً عند منديله الذي عاد إليه، فما لفت انتباهه هو ذلك القلم المذهب.
أخرجه ببطء، ومرر أنامله على سطحه الأملس، حتى وقعت عيناه على النقش الصغير الذي لم يتوقعه أبداً.
شحب وجهه قليلاً ثم ارتجفت حاجباه وهو يقرأ الكلمة المحفورة:
“نبضي”.
تسمر لوكاس في مكانه.
لم يكن يتخيل أن طالبة خجولة مثلها قد تجرؤ على إهدائه قلماً يحمل كلمة بهذه الخطورة والعاطفة.
“نبضي؟”
تمتم بصوت خافت مشوب بالذهول
“هل بلغت بها الجرأة هذا الحد ؟ أم أن خلف هذا الخجل بركاناً من المشاعر لم أدركه ؟”.
لم يعلم لوكاس أن هذا القلم سقط في علبته “غلطةً”، بل رآه اعترافاً صريحاً ومباغتاً اخترق حصونه الحجرية.
انحنى ثغره عن ابتسامة غريبة، مزيج من التعجب والدفء..
وبينما كان يظن أنه هو من يأسر الجميع بهيبته..
وجد نفسه في تلك اللحظة أسيراً لكلمة واحدة..
نُقشت على قلم، ظنّاً منه أنها كُتبت لأجله هو.
التعليقات لهذا الفصل " 26"