“لا يا ابنتي، إنه ثقيلٌ عليكِ.. ما زلتِ صغيرة يا عزيزتي.”
“أمي، ما هذا اللون الغريب في عينيه؟”
“ههه، إنها عيونٌ خضراءُ زمردية يا صغيرتي.”
“واو! ما أجملها.. ألا يشبه والدي كثيراً؟”
“نعم يا حبيبتي ، تماماً كما تشبهينني أنتِ.”
“هذا رائع حقاً! لكن أخبريني يا أمي.. ما اسمه؟”
استيقظت “أريا” والصدى لا يزال يتردد في أذنيها.
أسندت ظهرها إلى سريرها المبطن، وظلت تحدق في الفراغ محاولةً الإمساك بتفاصيل الحلم قبل أن تتبخر.
كان هذا الحلم استثنائياً؛ فلطالما كانت أحلامها السابقة مثقلة بالدموع، تلاحق فيها طيف سيارة راحلة، أو تتأمل ظهر أمها وهي تغادر دون أن ترى وجهها قط.
لكن هذه المرة، كانت أمها تجلس بجانبها، تبتسم بملامحها الحية، وتمسح على شعرها بتلك اليد الحنونة التي لم تنسَ أريا ملمسها أبداً.
تنهدت أريا بعمق وهي تتساءل:
“ما معنى ذاك الرضيع الذي يحمل ملامح أبي؟”
رغم غرابة الحلم، إلا أن سعادة غامرة اجتاحت صدرها؛ فقد رأت والدتها بعد سنوات من الحنين الجارف.
مسحت دمعةً تمردت على جفنها ونظرت إلى الساعة؛ كانت الخامسة صباحاً.
القصر الغارق في السكون يلفه صمتٌ مهيب.
نهضت من فراشها واتجهت نحو النافذة، سحبت الستائر الثقيلة لتستقبل ضوء الشفق الذي بدأ يغازل الأفق.
وقعت عيناها على مكتبها، حيث صورة قديمة تجمعها بوالديها في زمن البراءة.
حملت الإطار، مررت أصابعها على ملامحهما بحبٍّ يفوق الوصف، ثم خبأتها في الدرج بحرص، كمن يخبئ كنزاً يخشى عليه من الضياع.
نظرت حولها في الغرفة الفاخرة؛ كل شيء هنا لا يزال كما صممته أمها.
اللون الوردي الذي يكسو كل زاوية، حتى الستائر التي أبت أريا تغييرها رغم تذمر الخادمات وإصرارهن على التجديد.
لم يكن تمسكها بهذا اللون حباً فيه فقط، بل لأنه اختيار “والدتها”. هذه الغرفة كانت ملاذها الوحيد ، مخزن ذكرياتها حيث كانت أمها تقص عليها الحكايات حتى تغفو، وتعلمها نطق الحروف الأولى.
كل زاوية هنا تنبض بطيف والدتها.
فجأة، قفزت إلى ذاكرتها صورة قديمة؛ هي ووالدتها والسيدة “مونيكا” في الحديقة، عند تلك الشجرة الوارفة التي كانت الأم تقيس طول أريا عليها وترسم خطاً صغيراً كل عام.
دون تفكير، ارتدت معطفها فوق ثوب نومها الرقيق، وتسللت عبر الدرج بخطوات وئيدة كي لا توقظ أحداً.
ما إن وقفت أمام الشجرة العتيقة، حتى خُيل إليها أن صوت أمها الرقيق يناديها من بعيد:
“صغيرتي أريا.. تعالي إلى حضن والدتكِ.”
سارت أريا كالمسحورة حتى التصقت بجذع الشجرة.
بحثت عن آخر خط رسمته يد أمها، كان صغيراً جداً وأسفل قامتها الحالية بكثير، فقد كبرت أريا وأصبحت شابة، بينما ظل الخط شاهداً على زمنٍ توقف هناك.
ابتسمت بمرارة والدموع تنهمر بصمت:
“أمي.. اشتقتُ إليكِ حقاً. أتمنى لو أرى طيفكِ لمرة واحدة فقط.”
جلست أريا تحت الشجرة، ولم تبالِ ببرد الصباح الذي قرص جسدها، بل استسلمت لذكرياتها الجميلة، تبحث في سكون الفجر عن بقايا حضنٍ دافئ لن يعود.
في تلك الأثناء، في قصر عائلة ليونارد ، كان لوكاس يرتشف قهوته الصباحية ببرودٍ يضاهي برودة الجو في الخارج.
شاركته وجبة الإفطار والدته وأخوه الأصغر سيدريك، قبل أن يقطع صوت الأم رتابة الصمت.
طارحةً موضوع زواجه الذي لا يملّ من العودة للواجهة.
قالت الأم بنبرةٍ حملت إصراراً لا يلين:
” لوكاس، لقد بلغت الخامسة والعشرين.. ألا ترى أن الوقت قد حان ليكون لك شريكة؟”
اجابها لوكاس، دون أن يرفع عينيه عن فنجانه:
” لا أفكر في الأمر الآن يا أمي”.
استشاطت غضباً وصاحت به:
” هل تمزح معي ؟ هل تنوي الانتظار حتى تشيخ ؟”
في تلك اللحظة، انفجر سيدريك ضاحكاً، وبدأ يغمز لأخيه الأكبر بمداعباتٍ صبيانية لم تزد لوكاس إلا صمداً في بروده المعتاد.
قبل أن يلقي بقنبلته التي لم يتوقعها أحد:
” حتى إن فكرت في الزواج يوماً يا أمي ، فلن يكون صفقة سياسية مرتبة كما تخططين.. سأتزوج بمن يحبها قلبي”.
ساد صمتٌ مطبق لثانية، قبل أن يبصق سيدريك الماء الذي كان يشربه بصدمة.
بينما تجمدت الأم في مكانها، وعيناها متسعتان من الذهول
“ماذا قلت ؟ عن أي حبٍ تتحدث ؟ “.
أجابها لوكاس بهدوءٍ قاتل:
” نعم.. سيكون زواجي بمن احب “.
هنا تدخل سيدريك محاولاً تلطيف الأجواء بمزاحه المعتاد.
” أوه ! هل وقع أخي الوقور في شباك إحدى الأستاذات في الأكاديمية ؟ أم أنها طالبة فاتنة سحرت لبه ؟ “
صرخت الأم في وجه سيدريك لكي يصمت.
ثم التفتت إلى لوكاس بصرامة وقالت:
” اشرح لي ما تعنيه فوراً يا لوكاس!”
لكن لوكاس، ببروده الذي كان يرفع ضغط دمها دائماً، نهض ببطء وقال:
” ليس الآن”.
ثم ألقى بنظرة ساخرة نحو أخيه وأضاف:
” إذا كنتِ مستعجلة جداً لرؤية عريس في العائلة يا أمي ، فزوجي سيدريك”
قفز سيدريك من مقعده صائحاً:
” ماذا؟ أنا ؟ هل فقدت عقلك ؟ “.
تنهدت الأم بمرارة؛ فبين برود لوكاس القاتل واستهتار سيدريك الأحمق، كانت تشعر أن رأسها سينفجر.
قالت بنبرة يائسة:
” أخوك لم يمضِ على بلوغه الثالثة والعشرين إلا فترة قصيرة ، إنه ما زال صغيراً، أما أنت فالأكبر يا لوكاس ! انظر إلى رفاقك ، جميعهم أسسوا بيوتاً “.
أنهى لوكاس الحوار بكلمتين وهو يغادر القاعة:
” لا أهتم.. عندما يأتي ذلك اليوم ، سأفعل”.
غادر وترك خلفه تساؤلاتٍ تشتعل كالنار في الهشيم..
من هي تلك المرأة التي استطاعت أن تذيب الجليد المحيط بقلب إبنها ؟
وهل هي حقيقة أم مجرد درعٍ يتحصن به ليهرب من قيود التقاليد ؟
التعليقات لهذا الفصل " 25"