سقط اللحاف الأبيض على الأرض المغبرة.
تماماً كما تهاوت الحصون التي شيدتها “صوفيا” حول قلبها طوال سنوات النفي الاختياري.
ارتجفت شفتاها، وخرج اسمه من بينهما وهناً كزفرة غريق يرى اليابسة لأول مرة:
“يوجين؟”
تقدم يوجين نحوها، وكانت كل خطوة يخطوها تزيح ستارة ثقيلة من الزمن.
لم تكن الصدمة في اللقاء فحسب، بل في تلك الهيئة التي آلت إليها.
يداها اللتان طالما داعبتا الحرير، غدت الآن خشنة.
تشققت من قسوة المنظفات وزمهرير الشتاء.
اعتصر قلبه ألماً وهو يراها في هذا الشتات، وقبل أن تخرج الحروف من حنجرته.
اندفع جسد صغير ليفصل بين عالميهما.
وقف “سيمون” كالسد المنيع أمام أمه، بعينين تتقدان بحماية فطرية.
تجمّد الصبي حين التقت نظراته بوجه الرجل الغريب.
كان الأمر أشبه بالنظر في مرآة يرى فيها انعكاسه.
نفس الشموخ، ملامح الوجه المنحوتة بدقة، وتلك الهالة من الهيبة التي لا تُكسر.
رغم ارتباكه من هذا الشبه الصاعق، لم يتزحزح الصبي، وقال بصوتٍ حازم:
“من أنت؟ وماذا تريد من والدتي؟”
وضعت صوفيا يدها المرتجفة على كتف ابنها.
تحاول لملمة شتات روحها المبعثرة
“سيمون.. بني، اذهب إلى غرفتك الآن. هذا.. هذا ضيفٌ قديم .”
نظر سيمون إلى عيني أمه المثقلتين بالوجع، ثم إلى الرجل الذي يرقبه بذهولٍ واعتراف صامت يلمع في مآقيه.
أدرك الصبي بذكائه الفطري أن هذا اللقاء يخفي أسراراً تفوق مداركه
فأومأ برأسه وغادر، لكن نظراته ظلت معلقة بيوجين حتى انغلق الباب.
دخل يوجين غرفة الجلوس الضيقة؛ مكانٌ يفوح برائحة الكفاف لكنه يفيض بالنظافة.
التفت إليها بصوتٍ مخنوق بالمرارة:
“لماذا يا صوفيا؟ قيل لي إنكِ تزوجتِ من رجل أعمالٍ ناجح.. لماذا تسكنين هذا الكوخ المتهالك؟”
اغرورقت عيناها، ثم استجمعت بقايا شجاعتها وقالت بصوتٍ متهدج:
“نعم، تزوجتُ بعد طلاقنا بثلاثة أشهر.. لكن، حين علم زوجي أنني أحمل في أحشائي طفلك، خيّرني بينه وبين الجنين. وعندما اخترتُ ابني، نبذني وطلقني.”
شعر يوجين بطعنة في صدره؛ أن تُكافح وحدها لتربية ابنهما، وهي التي لم تعرف يوماً معنى العوز، كان ذلك فوق احتماله.
قال بصوتٍ خفيض يملؤه الحزن:
“كنتُ سأشرح لكِ كل شيء حينها.. لم أخنكِ يوماً، ولم أفكر في ذلك قط، وأنتِ في أعماقكِ تدركين كم أحببتكِ.. لكنكِ لم تمنحيني حتى فرصة للحديث.”
نظرت إليه صوفيا بعينين رماديتين غارقتين في ندمٍ متأخر:
“أعلم الآن.. أدركتُ بعد فوات الأوان أنني كنتُ حمقاء، وأنني وهبتُ أجمل سنين عمرنا لوشايةٍ رخيصة. سامحني يا يوجين.. سامحني لأنني ارتبتُ فيك، وحرمتُ سيمون من والده، وحرمتُ نفسي من الحياة.”
في تلك اللحظة، غص يوجين بكلماته.
تمنى لو يضمها ويمحو عنها غبار السنين، لكن طيف “تلك المرأة” ظهر كحاجزٍ شائك في عقله.
هو لا يزال مكبلاً بزواج سياسي جاف، بلا روح، تفرضه قيود القانون والمصالح.
لكنه في تلك اللحظة، اتخذ قراره بكسر تلك السلاسل والعودة للمرأة التي سكنت نبضه دائماً.
سألت بلهفةٍ كادت تحرقها:
“يوجين.. أخبرني عن آريا؟ كيف حال ابنتي؟ لقد اشتقتُ إليها حتى كاد الشوق يقتلني.”
غطت وجهها بيديها وانتحبت بصوتٍ هز جدران الغرفة المتواضعة
بينما وقف هو يرقب انهيارها بألم:
“آريا كبرت يا صوفيا.. أصبحت شابة فاتنة تشبهكِ تماماً. لا تزال تسأل عنكِ بصمتها، وتتألم من الداخل. إنها تحتاجكِ.”
مسحت دموعها وأجابت بمرارة:
“أعلم أنني أخطأتُ حين تركتكما خلفي في تلك الليلة العاصفة.. لا يزال الذنب ينهشني. كيف ستنظر إليّ آريا؟ هل ستقبلني بعد كل هذا الهجر؟”
تنهد يوجين وقال برقة:
“لا تلومي نفسكِ أكثر. يمكنكِ العودة الآن. قولي لها إنه كان سوء فهمٍ وانجلى.. فقط عودي.”
تذكرت صوفيا كيف هربت من واقعها
وكيف ظنت أن العيش في هذا المنفى سيحميها من ذكريات الماضي.
وكيف قسا عليها والدها حين أراد بيعها لرجلٍ في عمره..
لكن الآن، يعود إليها الرجل الذي أحبته، حنوناً كما كان، مما زاد من وخز ضميرها.
قطع هو حبل أفكارها بصوته الهادئ:
“صوفيا، اسمعيني جيداً.. ستعودين معي انتِ و سيمون إلى العاصمة. سأوفر لكما كل سبل الراحة، لا أريد رؤيتكِ تعانين هكذا بعد اليوم.”
صمت قليلاً ثم أردف بلهجة حاسمة:
“لقد قررتُ الطلاق منذ فترة.”
صُدمت صوفيا..
فقد سمعت بعد زواجها، أنه تزوج من “آريستا”، تلك المرأة التي كانت تناصبها العداء بلا سبب واضح.
كان خبر زواجه منها طعنة قديمة في قلبها..
لكن سماع رغبته في الانفصال عنها حتى قبل لقائهما هذا..
ملأ روحها ببهجة خفية.
فهو لا يزال يحبها.
قال يوجين وكأنه يقرأ أفكارها:
“ستعودين معي، وسأنهي إجراءات الطلاق، لنبدأ من جديد.. دعينا نتزوج مرة أخرى، ونلم شمل عائلتنا التي تفرقت.”
ابتسمت صوفيا، وبينما كانت تومئ برأسها.
سقطت دمعة فرح غسلت هموم سنينها.
كان هذا اليوم أجمل يوم في حياتها.
كأنه حلمٌ وردي تمنت ألا تستيقظ منه أبداً..
لتجده أمامها دائماً.. ولها وحدها.
التعليقات لهذا الفصل " 23"