بعد أسبوعٍ مضى في كنف الراحة، استعادت آريا عافيتها لتقف مجدداً أمام أسوار الأكاديمية.
لم تكن تلك الفتاة الشاحبة من ذلك اليوم.
بل عادت بكيانٍ نابض، ووجهٍ نضرٍ يشعُّ إصراراً، وعينين تبرقان بتحدٍ لم تطفئه الوعكة.
وعلى الرغم من الهمسات التي
كانت تلاحقها في الممرات كظلالٍ فضولية.
إلا أنها اعتصمت بهدوئها المعهود، لا تلوي على شيء سوى هدفها..
فيما استقبلتها لورا بعناقٍ دافئٍ كان بمثابة ملاذٍ آمنٍ وسط صخب التساؤلات.
في تلك الأثناء، كان المدير لوكاس قد حسم أمره..
فدعا هيئة التدريس لاجتماعٍ عاجل، وبنبرةٍ رصينة لا تقبل الجدال، ألقى بقراره:
“الطالبة أريا لم تغب عبثاً ولا استهتاراً، بل كان بسبب المرض . وبصفتي مديراً ، آمر بإعادة كافة الاختبارات التي فاتتها.”
انصاع الجميع لهيبته، وانخرطت آريا في الاختبارات..
مستعدةً لإثبات أن ذكاءها المتقد لا ينكسر أمام وهن الجسد.
كان سيمون الذي أتمّ ربيعه الخامس عشر.
يخطو بوقارٍ يسبق سنّه.
كان يحمل سلةً ثقيلة من المنسوجات الصوفية التي غزلته والدته في ليالٍ طوال..
مستنزفةً ضوء عينيها وحرارة يديها.
كانت رائحة الصوف تذكره بعناء أمه، فكان يبيعها في السوق وكأنه يبيع قطعاً من قلبه
طامحاً في سدّ رمق عيشهما الكفاف.
وبينما كان يحصي عملاته القليلة بزهوٍ متواضع.
التقطت أذناه حديثاً عن شركة شحنٍ كبرى تطلب عمالاً.
لمعت عيناه ببريق الأمل؛ فهذه الفرصة قد تخرجهما من حفرة الفقر إلى سعة الحياة.
لم يتردد، بل اتجه فوراً لمقر الشركة، غير أن صدمته كانت قاسية.
نظر المسؤول إلى ملامحه الغضة بازدراء، قائلاً بحدة:
“عُد إلى بيتك أيها الصبي ، نحن نبحث عن سواعد الرجال، لا لهو الأطفال!”
انسحب سيمون يجرُّ أذيال الخيبة، وبخطواتٍ أثقلها الانكسار غادر المكان.
همس أحد العمال لزميله بدهشة:
“ألم تلمح ذلك؟ هذا الصبي.. شموخه، نظرة عينيه، تقاسيم وجهه.. إنه صورة حية من سيدنا يوجين!”
في تلك اللحظة، كان المساعد مارك يمر متفقداً سير العمل
تجمد في مكانه عندما التطقت أذناه الكلمات الأخيرة.
ارتبك العمال عندما رأوه، و كاد الخوف يعقد ألسنتهم.
لكن مارك استجوابهم بصرامة
“عن أي صبي تتحدثون؟ وما صلة ذكره بالسيد يوجين؟”
عندما وصفوا له الملامح، أحس مارك بوجيفٍ في صدره.
لم يضع ثانية واحدة، بل انطلق كالسهم نحو مكتب يوجين.
اقتحم مارك المكتب لاهثاً، مما جعل يوجين يرفع نظره عن أوراقه ببرودٍ مشوب بالريبة.
“سيدي.. هناك صبي في السوق.. العمال يقولون أنه نسختك المصغرة!”
سقط القلم من يد يوجين، وتجمدت الدماء في عروقه بصدمة لم يعرفها كيانه الصلب من قبل.
لم يستفسر..
بل نهض بجسده المهيب وقال بصوتٍ هز أركان المكتب :
“ابحثوا عنه في كل زقاق.. أريد معرفة هويته الآن!”
انطلقت السيارة تجوب شوارع المدينة بحثاً عن طيفٍ يشبه الحلم.
وبعد ساعة من اليأس، هتف السائق:
“سيدي مارك، انظر! ذلك الفتى صاحب الشعر الأشقر!”
تتبعوه بحذر حتى توقف أمام منزل متهالك تفوح منه رائحة الفقر.
اعتصر قلب مارك تساؤلاً:
كيف تعيش السيدة صوفيا هنا؟
لقد قيل إنها تزوجت من رجل أعمالٍ ثري!
التفت الصبي فجأة، وهنا ارتجف كيان مارك.
لم يكن اللون الأشقر وحده هو الدليل
بل كانت الملامح تنطق باسم يوجين.
عاد مارك للمكتب، وجد سيده غارقاً في شرودٍ مرير.
“هل وجدته؟”
سأل يوجين بصوتٍ مخنوق.
أجاب مارك بتهيب:
“نعم سيدي.. الشبه بينكما صارخ، لا يتركه مجالاً للشك.”
لم يحتمل يوجين الانتظار
“جهز السيارة، سنذهب الآن.”
“لكن سيدي..”
حاول مارك يعارض الأمر خوفاً
فقاطعه يوجين بصرامة:
“هذا أمر!”
توقفت السيارة أمام ذلك الكوخ المتواضع.
كان يوجين ينظر إلى المنزل المتهالك.
و يملؤه التساؤل:
لماذا تعيش صوفيا هنا وهي زوجة نبيل ورجل أعمال كبير ؟
وفجأة، صرّ الباب القديم وخرجت امرأة تحمل سلة الغسيل.
كانت بملابس بالية وشعرٍ مشدود، لكن سحرها القديم كان لا يزال يقبع خلف شحوب وجهها.
كانت صوفيا.. بعينيها الرماديتين الواسعتين اللتين طالما سكنتا أحلامه.
لم ينتظر يوجين أوامر أو بروتوكولات؛ فتح باب السيارة ونزل.
مشى نحوها وعيناه معلقتان بها كغريقٍ وجد شاطئه.
كانت تنشر الغسيل بذهنٍ شارد، حتى أحست بوقع خطواتٍ غريبة.
التفتت، وما إن وقعت عيناها على وجهه، حتى سقط اللحاف من يدها
وتوقف الزمن بينهما في لحظة صمتٍ صاخبة بكل أوجاع السنين.
التعليقات لهذا الفصل " 22"