وصلت السيارة إلى مشارف القصر مع خيوط الغروب الأخيرة
ترجل لوكاس وفتح الباب بنفسه، متجاوزاً بروتوكول السائق
فكان الخدم في استقباله بوجوه وجلة ونظرات مضطربة
إذ لم يكن حضوره في هذا الوقت وبذات الهيئة الصارمة سوى نذير شؤم يلوح في الأفق.
تقدم كبير الخدم بارتباك جليّ، وتمتم بصوت مرتعش:
” مرحبا سيدي ، لم نكن بانتظار تشريفكم.. الوقت متأخر وـ..”
قاطعه لوكاس بنظرة حادة كالنصل، وصوت يخرج من أعماق صدره:
“أخبر سيدة القصر أنني هنا.”
وقبل أن يخطو الخادم خطوة واحدة، انبثقت أريستا من عتمة الردهة، مرتدية ثوباً يقطر أناقة، وتضع على وجهها قناعاً من الهدوء والترحاب المصطنع.
اقتربت بابتسامة باهتة سكنت شفتيها ولم تبلغ عينيها، وقالت بنبرة منمقة:
“أهلاً بك يا سيد لوكاس.. تفضل، فلا يليق بمدير الأكاديمية الموقر أن يقف هكذا في الردهة.”
رافقته إلى غرفة الجلوس الواسعة، حيث كانت رائحة عطرها الثقيلة تصطدم ببرودة الرخام الصمّاء.
جلست بوقار متكلف، وأشارت له بالمقعد المقابل
ثم بدأت تنسج الكلمات ببراعة:
“أعتذر عن هذه الفوضى، كنتُ للتوّ أغرق في ترتيبات الحفل الخيري القادم. تعلم كم هي منهكة تلك الواجبات الاجتماعية، إنها تلتهم كل وقتي وجهدي.”
نظر إليها لوكاس بصمت ثقيل، صمتٍ كان يضيق الخناق على المكان
بينما تابعت هي ارتشاف شايها بلا مبالاة باردة:
“بالمناسبة، سمعتُ أن آريا تغيبت اليوم كذلك عن الأكاديمية. للأسف، تلك الفتاة رقيقة المزاج بشكل مبالغ فيه؛ أصيبت بحمى عابرة فقررت الركون إلى الفراش. لقد وفرتُ لها خادمة تلازمها.. فالدلال الزائد يفسد فتيات هذا الجيل، ألا توافقني الرأي؟”
اتكأ لوكاس إلى الأمام قليلاً، وانخفضت نبرة صوته لتصبح أكثر فتكاً:
“حمى عابرة؟ سيدة أريستا، لم آتِ من الأكاديمية لأبادل الود حول ‘الواجبات الاجتماعية’، بل جئتُ لأتحدث عن حياة تذبل في الطابق العلوي بينما تنشغلين أنتِ بحياكة ستائر حفلاتك.”
رفعت أريستا حاجبها بدهشة مصطنعة:
“أوه، أرى أنك تحمل الأمر أكثر مما يحتمل. آريا تميل دوماً للدراما لجذب الانتباه. الطبيب قال إنها تحتاج للراحة، وبصفتي المسؤولة هنا، أرى أن العزلة هي الحل الأمثل.”
لمعت عينا لوكاس بغضب مكتوم، وقال بحدة:
“أتسمين صراعها مع المرض ’دراما‘؟ وهل نفيُ مربيتها المخلصة يُعد ’رعاية‘؟ .”
تلاشت ابتسامتها فجأة، مكانها برود جليدي:
“سيد لوكاس، أنت تتخطى حدودك. هذا بيتي، وآريا ابنة زوجي، وشؤونها تُحل خلف الأبواب المغلقة.”
انتصب لوكاس بكل قامته، وبدا وكأنه يبتلع ضوء الغرفة بجسده الطاغي
“الأبواب التي تُغلق على الظلم، لا بد أن تُكسر. سأصعد الآن.”
تجمدت ملامح أريستا، وانتفضت واقفة وهي تعدل فستانها بغطرسة
ثم قالت بنبرة حادة كالسياط:
“إلى أين تظن نفسك ذاهباً؟ أتتجرأ على اقتحام جناح آنسة شابة في مثل هذا الوقت؟ أين هي أخلاق النبلاء التي تتشدق بها؟ أم أن وقارك ليس سوى قشرة تخفي خلفها رغبات مريبة تجاه تلميذتك؟”
ساد الصمت الغرفة لثوانٍ بدت دهرًا.
لم يلتفت إليها فوراً، بل أخذ نفساً عميقاً هادئاً، ثم استدار ببطء شديد، وعيناه تشعان ببريق مخيف.
خطا نحوها حتى أجبرها على التراجع، وقال بصوت منخفض يقطر احتقاراً:
“توقفي عن هذا الهراء الفارغ. وحده العقل المنحرف هو من يرى في إنقاذ حياةٍ تُحتضر ’فرصة للدنس‘. يبدو أنكِ اعتدتِ العيش في الوحل لدرجة أنكِ لم تعودي تري غيره.”
اتسعت عيناها بصدمة، فأكمل بصرامة هزت أركان القصر:
“أخلاق النبلاء تفرض حماية الضعفاء ممن هم على شاكلتك. لا تحاولي استخدام ورقة ’السمعة‘ معي، لأنني إذا قررتُ التحدث، فستكون سمعتكِ هي الثمن.. فإهمال إبنة زوجك حتى الموت لا يُصنف ضمن ’بروتوكولات النبلاء‘.”
اقترب منها أكثر وتابع بتحذير أخير:
“إياكِ وأن تلمحي لهذا القرف مرة أخرى، وإلا جعلتُ من فضيحتكِ قصة يتداولها الجميع. ابقي هنا، ولا تتبعينني.”
تركها ترتجف من الغيظ، وصعد الدرج بخطوات زلزلت سكون القصر.
كل درجة يخطوها كانت تزيد من وتيرة نبضات قلبه، التي تمردت بشكل لم يعهده من قبل.
وصل إلى الجناح، حيث كانت الخادمة تقف كالسد البارد.
“سـ.. سيدي؟ لا يسمح بالـ..”
لم يمنحها نظرة، بل دفع الباب بقوة هادئة، وتخطاها وكأنها حطام لا يُرى.
داخل الغرفة، كان الهواء ثقيلاً وستائرها المسدلة تخنق الضوء.
هناك، رآها..
كانت “آريا” تبدو ضئيلة جداً وسط الأغطية، كزنبقة ذابلة ألقيت في فرن مستعر.
التعليقات لهذا الفصل " 20"