مرَّ يومان و”آريا” طريحة الفراش، يصارع جسدها الضئيل نيران حُمى لا تهدأ..
كانت الغرفة غارقة في عتمة موحشة، والستائر مسدلة تحجب الضوء
ولم يتبقَّ من الضياء سوى شبح نور خافت ينبعث من مصباح الطاولة الجانبية.
وبدلاً من حنان المربية “مونيكا” التي كانت تمسح عن جبينها تعب الأيام
كانت تقف تلك الخادمة التي عينتها “أريستا” ببرود جليدي
تنفذ الأوامر بآلية جوفاء تخلو من أي مودة، وكأنها تراقب جماداً لا روحاً تتألم.
لم تنكسر حدة الحرارة، بل استعرت أكثر
وحين أدركت الخادمة أن حال “آريا” يزداد سوءاً وأن أنفاسها بدأت تضيق
هرعت إلى سيدتها “أريستا”.
كانت غارقة في عالمها المخملي، تتصفح كتالوجاً للأزياء بزهو
فتأففت من مقاطعة وقتها الثمين، وبنبرة متعالية أمرت باستدعاء طبيب العائلة.
دخل الطبيب الغرفة، فصعقه المشهد
ارتبكت خطاه وشعر بوخزة حادة في قلبه.
عندما رأى الآنسة الشابة غارقة في عرقها، وخصلات شعرها ملتصقة بجبينها المتوهج كالجمر
وأنفاسها تخرج منهكة ومتقطعة.
في تلك اللحظة، لم يرَ الطبيبُ مجرد مريضة
بل رأى حياةً توشك على الانطفاء بسبب إهمالٍ مقصود يرتدي ثوب اللامبالاة
فارتجفت يداه وهو يحاول بلهفة تدارك ما يمكن إنقاذه.
في الأكاديمية، كان “لوكاس” يقتات على القلق.
ذلك الغياب الذي خلفته “آريا” ترك في نفسه فجوة موحشة
خاصة وأنه يتذكر شحوب وجهها قبل يومين حين أُغمي عليها
كان القلق يمتص كل ذرة تركيز لديه، والأسئلة تنهش عقله بلا رحمة:
هل هي بخير؟
بينما كان غارقاً في سوداوية أفكاره، تناهى إلى مسامعه طرقٌ خافت على الباب
يشبه دقات قلبه المضطربة.
رفع رأسه ليرى “لورا”، صديقة آريا المقربة.
ما إن رآها حتى لاح في الأفق بصيص أمل؛ فقد كانت هي طوق النجاة الوحيد وسط أمواج شكوكه العاتية.
قال لوكاس بنبرة حاول جعلها هادئة، رغم ما يكتسيها من برود وتعب:
“تفضلي..”
دفت لورا بخطوات مترددة وقالت:
“مرحباً سيدي المدير، جئت لأطلب منك طلباً من فضلك ..”
نظر إليها لوكاس طويلاً بصمت جعلها ترتجف تحت وطأة نظرته الباردة
قبل أن يقول بوقار:
“اجلسي أولاً يا آنسة لورا.”
جلست لورا بتوتر، ثم تابعت بصوت خافت يرتجف:
“سيدي، جئت لأخبرك أن آريا ليست على ما يرام. زرتها بالأمس وكانت طريحة الفراش تصارع الحمى، لذا أرجوك.. هل يمكنك تأجيل اختباراتها إلى حين تعافيها؟”
ارتبك قلب لوكاس لسماع خبر مرضها، لكنه أعجب بإخلاص لورا وتوسلها من أجل صديقتها
كان ذلك نوعاً من الوفاء الذي لم يعهده كثيراً.
أومأ برأسه قائلاً بهدوئه المعتاد:
“هذا أمرٌ مفروغ منه؛ فسلامة الطالبة تسبق كل اختبار. سيتم تأجيل امتحاناتها حتى تتماثل للشفاء التام.”
تنهدت لورا بارتياح، لكن لوكاس لم يكتفِ بذلك، بل قاطع سكونها بسؤال نفذ كالخنجر:
“آنسة لورا، أريد سؤالك عن أمر يخص الآنسة آريا.. هل تعاني من خطبٍ ما؟ أعني.. هل هناك مشاكل عائلية ترهق كاهلها؟”
تجمدت الدماء في عروق لورا.
كانت تعلم أن آريا تكتتم آلامها حتى عن والدها، فكيف لها أن تفشي سرها؟
حاولت المراوغة قائلة بضعف:
“لا أستطيع الإفصاح عن شيء.. أنا آسفة سيدي.”
رفع لوكاس حاجبه باستغراب، ثم نظر إليها بنظرة اخترقت دفاعاتها، وضرب على وتر الحساسية لديها:
“إذاً دعينا نخمن.. أنتِ تعرفين الحقيقة وتخفينها ؟ ألا يؤلمكِ رؤية صديقتكِ تذبل هكذا ؟ هل فكرتِ يوماً كيف ستنقذينها بصمتكِ هذا؟”
ساد صمت ثقيل، ثم أكمل بصوت هادئ ومقنع:
“ربما إذا أخبرتني، سأتمكن من حمايتها أو مواجهة الأمر مباشرة. الصمت أحياناً يكون شريكاً في الجريمة.”
فكرت لورا بعمق..
‘ كلامه صحيح، آريا تضيع من بين يدينا ‘ .
رأت أن قرار الكتمان لم يزد صديقتها إلا وجعاً.
في تلك اللحظة، لمع البريق في عينيها وحسمت أمرها.
حين لمح لوكاس تلك النظرة، ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية خفية
ابتسامة صيادٍ أدرك أن فريسته قد استسلمت للمنطق.
قالت لورا بدموع لم تستطع كبحها
“حسناً سأخبرك بكل شيء، لكن عدني أنك ستنقذها.”
رد بإجابة واثقة..
” حسناً “.
وبدأت تروي له مأساة آريا منذ طلاق والديها وهي في الثالثة
وكيف أذاقتها “أريستا” صنوف العذاب النفسي والإساءة في الخفاء
مستغلة غياب الأب.
استغرق الحديث ساعتين من البوح المؤلم
بينما كان لوكاس يستمع بصمت مرعب.
عندما غادرت لورا، كانت الشمس تودع السماء بخيوط حمراء .
أسدل لوكاس الستائر، وقد اتخذ قراراً لا رجعة فيه
سيوقف هذا النزيف فوراً.
لم يتجه إلى قصره، بل أمر السائق بلهجة صارمة:
“إلى قصر بايلي مباشرة”.
لم يبالِ بالوقت ولا بالأعراف..
فكل ما كان يهمه هو التأكد أن أريا بخير .
التعليقات لهذا الفصل " 19"