لم تنتهِ إلا والليل يلفظ أنفاسه الأخيرة، فسقطت على مكتبها غارقةً في نومٍ هو أقرب للإغماء.
مع إشراق الفجر، استيقظت “آريا” بصرخةٍ مكتومة؛ جسدها كان كتلة من الألم، وعظامها تئن وكأنها حطام.
نظرت للساعة.. لقد تأخرت! جرت جسدها المنهك نحو الأكاديمية، وكل خطوة كانت طعنة في خاصرتها
وصلت لتجد أبواب القاعة مغلقة، ولتتلقى توبيخاً علنياً انتهى بطردها.
لم يكن أمامها سوى التوجه لمكتب “لوكاس”.
دخلت بوجهٍ شاحب كالكفن، وعينين يحيطهما السواد.
“سيدي، لقد طُردت بسبب تأخري”.
نظر إليها “لوكاس” بذعرٍ مكتوم؛ وجهها كان يحكي قصة عذابٍ لم يفهمها.
“ما بكِ؟ تبدين وكأنكِ تحتضرين!”
سأل بصوتٍ يمزج بين القلق والصرامة.
شاحت بنظرها قائلة بوهن:
“لا شيء.. مجرد إرهاق”.
لكنه أصرّ بغضبٍ نابع من خوفه عليها:
“أريد تفسيراً! هذا التأخير تكرر كثيراً يا آنسة!”
هنا، انفجر بركان القهر بداخلها، فصرخت بحدةٍ لم يعهدها:
“قلت لا شيء! هذا شأني الخاص، ولا يحق لك التدخل في حياتي!”
تجمد الهواء في الغرفة.
تحولت نظرات “لوكاس” إلى برودٍ جليدي، وسأل بصوتٍ منخفض مرعب:
“كيف تجرئين على رفع صوتكِ في وجهي؟”
حاولت “آريا” الرد، لكن الأرض بدأت تميد تحت قدميها، والظلام يزحف نحو بصرها.
ترنح جسدها الضئيل، وقبل أن تصطدم بالأرض، كان “لوكاس” قد اندفع كالإعصار ليلتقطها بين ذراعيه
حملها بهلعٍ لم يشعر به قط
وسار بها نحو العيادة، آمراً الطبيب بنبرةٍ تزلزل القلوب:
“عالجها فوراً..!”
بقي “لوكاس” جالساً بجوار سريرها، يراقب وجهها الساكن
بينما كان الطبيب يشرح له حالتها:
“سوء تغذية حاد، وإرهاق عصبي وجسدي”.
تمتم “لوكاس” بذهول:
“سوء تغذية؟”
كيف لابنة عائلة ثرية أن تجوع؟
بدأ يدرك أن خلف تلك الأبواب العالية في قصر بايلي، تُرتكب جرائم صامتة.
بعد ساعتين، فتحت “آريا” عينيها لتجده أمامها.
حاولت النهوض فمنعها بلمسةٍ دافئة:
“استلقي.. كفاكِ عناداً”.
لم تستطع النظر في عينيه خجلاً، لكنه تجاهل الأمر برقيّ.
وعندما أصرّ على إيصالها بسيارته، لم تقوَ على الرفض.
طوال الطريق، لم ينطق أحد، لكن “لوكاس” كان يختلس النظر إليها، شاعراً بوخزٍ في قلبه لم يألفه.
وعندما دخلت القصر، بقي يراقب طيفها حتى اختفت
وصورتها المنكسرة محفورة في أعماق ذاكرته
وهو يقسم في سره أن يكتشف الحقيقة التي تخبئها تلك العيون الحزينة.
التعليقات لهذا الفصل " 18"