لم يكن استيقاظ “أريا” مع أول شعاعٍ تسلل لغرفتها مجرد صحوة يومٍ جديد.
بل كان انبعاثاً لروحٍ تنفض عن كاهلها غبار معارك صامتة طال أمدها.
تحركت بخفةٍ يغذيها حماس طفولي فارتدت فستاناً خريفياً بلون السماء.
وصففت خصلات شعرها بعناية فائقة، ثم ارتدت معطفها بوقار “غادة” تدرك تماماً قيمتها.
في تلك اللحظة، افتقدت “مونيكا”؛ تمنت لو كانت مربيتها الحانية بجانبها لترى لمحة الفخر في عينيها..
ولتريها تلك الهدية التي غلفتها بشغفٍ لجدها.
كانت “أريستا” دائماً تقف كجدارٍ صخري بينهما.
نظرت أريا إلى الهدية المغلفة التي تلمع بجانبها وكأنها التذكرة الوحيدة للهروب من سجن هذا القصر.
حين وطأت قدماها الدرج الرخامي، كان الخدم ينسابون كظلالٍ باهتة في أعمالهم.
بينما تربعت “أريستا” خلف فنجان قهوتها ببرودٍ يضاهي صقيع الرخام.
وضعت الكوب بحدة أحدثت رنيناً مستفزاً حين أبصرت “أريا” تتجه نحو الباب.
وقالت بصوتٍ ينضح سماً:
“إلى أين؟ وبإذن مَن تغادرين بهذا العنفوان؟”
تسمرت أريا لثانية واحدة، لا خوفاً، بل لتستجمع ثباتها.
أحكمت قبضتها على العلبة، وشعرت بحرارة الإطار داخلها تمدها بقوة غريبة.
لم تلتفت، ولم تمنحها شرف رؤية الاضطراب في عينيها، بل رفعت رأسها بشموخٍ لم تعهده “أريستا” قط .
وأجابت بهدوءٍ حارق:
“جدي ينتظرني.. ولا أحد في هذا القصر، ولا حتى أنتِ، يملك حق الوقوف في وجهي، باستثناء والدي.”
خرجت كنسيمٍ عاصف، تاركةً خلفها ذهول “أريستا” يشتعل غيظاً.
وما إن استقرت في السيارة حتى أمرت السائق بالتحرك فوراً.
وشعرت لأول مرة بأن الأكسجين الذي تستنشقه نقي، خالٍ من كبرياء القصر الخانق.
بعد رحلة قصيرة، انحنت السيارة أمام بوابة حديدية عتيقة تحرس تاريخاً طويلاً.
كان قصر الجد “إدوارد” يتربع هناك كقطعة من زمنٍ جميل.
تحتضنه أشجار البلوط التي شهدت تعاقب الأجيال.
استقبلها كبير الخدم والصفوة من العاملين بتبجيلٍ صادق.
دخلت تهرول كطفلة أضاعت طريقها ثم وجدته..
حتى أبصرت جدها واقفاً في نهاية الممر الطويل.
ما إن رآها حتى تهللت أساريره، وانبسطت تجاعيد وجهه التي حفرتها السنون بحكمتها وطيبتها.
لم تكتفِ بالمشي، بل أسرعت الخُطى لترتمي في حضنه الدافئ، الملاذ الذي لا يخيب.
“أريا.. يا صغيرتي الحبيبة !”
نطقها بصوتٍ متهدج مشحون بالعاطفة وهو يطبطب على ظهرها.
سحبته من يده وهي تضحك بسعادة غامرة.
تروي له قصصاً لا تنتهي حتى استقرا أمام المدفأة في غرفة الجلوس الفخمة.
وبيدين ترتجفان شوقاً ، قدمت له الهدية.
فتحها الجد بتمهل، وفجأة.. صمت المكان تماماً .
سقطت نظراته على تلك الصورة القديمة داخل الإطار المرصع.
انحبست الأنفاس، ولم يكسر الصمت سوى دمعة وحيدة، دافئة ومالحة، انزلقت من عيني الجد لتستقر على زجاج الإطار.
“لقد أعدتِ لي روحي يا صغيرتي.. كانت هذه الصورة هي الملاذ الذي أبحث عنه في سراديب ذاكرتي المتعبة.”
عانقته أريا بشدة؛ كانت تعلم أنها ستعجبه، لكنها لم تدرك أن لفتتها ستوقظ جيشاً من الحنين.
في الصورة، كانت العائلة مجتمعة، حتى الجدة “إليزابيث” كانت تبتسم هناك.
مسح الجد دمعته، وغرقا في حديثٍ طويل حتى سألها بهدوئه المعهود:
“يا صغيرتي.. هل أنتِ بخير مع أريستا؟ هل تضايقك ؟”
ابتلعت أريا غصتها، وابتسمت ابتسامة ملائكية لتطمئنه:
“نعم جدي بخير ، كل شيء على ما يرام.”
لكن الجد، الذي عاش دهراً يقرأ الوجوه، رأى ما خلف الابتسامة.
كان يدرك أن “أريستا” كالأفعى.
وكان يلوم نفسه؛ فهو من دفع ابنه لهذا الزواج السياسي البارد يوماً.
تحت التهديد بالحرمان من الميراث بعد طلاقه .
ندمٌ مرير يعتصر قلبه كلما رأى حفيدته المحطمة تحاول التظاهر بالقوة.
قطعت أريا حبل أفكاره بصوتها الرقيق:
“جدي، دعنا نستمتع بدفء الشمس في الحديقة.”
وافق الجد، وبينما كانا يتجولان..
اقترب كبير الخدم بتوتر ملحوظ:
“سيدي.. السيد الشاب ليونارد قد وصل.”
استغرب الجد التوقيت..
فـ “أرتون ليونارد” الأب كان طريح الفراش، والأعمال باتت على عاتق ابنه الأكبر.
ولكن لماذا يأتي في مثل هذه الساعة المبكرة ؟
سار الجد مع حفيدته للترحيب بالضيف.
وفجأة.. توقفت أنفاس أريا.
كان يقف هناك، بسترته السوداء الأنيقة ووجهه الذي يبدو وكأنه نُحت من رخام بارد.
إنه “لوكاس”.
تلاقت أعينهما في لحظة تجمد فيها الزمن.
لوكاس، الذي رآها بالأمس تبكي خلف الزجاج، يراها الآن في قمة رقتها وعنفوانها.
اهتز ثباته الجليدي للحظة، وشعر بنفس الوخزة الغامضة في قلبه.
أما هي، فاستشعرت بأن دفء الحديقة قد اجتاحته عاصفة ثلجية مباغتة.
تبادلا التحايا الرسمية، وبينما كان لوكاس يتحدث مع الجد، كانت عيناه تلاحقان وجه أريا الذي اصطبغ بحمرة الخجل والارتباك.
وحين لمحت “ابتسامة جانبية” خفيفة على شفتي لوكاس، شعرت أريا بقلبها يدق بعنف لم تعهده من قبل.
انسحبت أريا لتترك لهما مجال الحديث.
وفي مكتب الجد، وقعت عينا لوكاس على “الإطار” الجديد.
تجمدت نظراته عند صورة “أريا”.
تداخلت الأسئلة في عقله كالإعصار..
لماذا لم يتعرف عليها؟
أنها ابنة عائلة “بايلي” العريقة؟
ولماذا كانت تتأخر دائماً وتعود مشياً على الأقدام كفتاة بسيطة بينما هي سليلة هذا الثراء الفاحش؟
حاول طرد صورتها من عقله والتركيز على العمل، خاصة وأن شقيقه الأصغر كاد أن يفسد الشراكة مع “بايلي” بحماقاته.
لكن بريق عيني أريا في تلك الصورة كان يهمس له بأن خلف هذا الجمال أسراراً لم تُحك بعد.
التعليقات لهذا الفصل " 14"