خلف الزجاج المصقول لمكتبه الفاخر، كان “لوكاس” يقف بطودِهِ المعهود وجليده الذي لا يذوب.
مدّ يده ليُسدل الستائر ، لكنّ حركته تجمدت في الفراغ.
على ذلك المقعد الخشبي الوحيد في الحديقة الخلفية.
لمحت عيناه قواماً مكسوراً؛ فتاة ينسدل شعرها الطويل على كتفيها كشلالٍ.
تبكي بصمتٍ مرّ لم يستوعبه قلبه المتحجر.
في تلك اللحظة، شعر “لوكاس” بوخزة غريبة في يسار صدره.
وكأنّ شهقاتها المكتومة قد اخترقت الزجاج المصفح لتستقر خنجراً في أعماقه.
تسلل الشك إلى عقله.
هل كنتُ أنا السبب؟
هل كانت قسوتي في طردها هي القشة التي قصمت ثباتها؟
لأول مرة، لم يغمض عينيه أو يشح بنظره بعيداً.
بل ظل يراقب انحناءة كتفيها الضعيفة، وكيف تمسح يداها الصغيرتان دموعاً أبت أن تجف.
تلاشت في تلك اللحظة صورة المدير الحازم.
وبرزت صورة رجلٍ يكتشف لأول مرة مرارة أن يكون سبباً في ألم إنسان آخر.
عبث بصمت بزر قميصه، وشعر بياقته تضيق على أنفاسه.
همس لنفسه بصوتٍ متهدج لم يعهده من قبل.
“هل بالغتُ حقاً؟”.
لم يعد يراها مجرد “خطأ” في سجلاته
بل فصلاً غامضاً في كتابٍ لم يجرؤ يوماً على فتحه.
وعيناه اللتان كانتا تقدحان شرراً، انطفأت حدتهما
لتحل محلهما نظرة “اهتمام” بدائية، بدأت تحفر ندبتها الأولى نحو قلبه.
انتهت الدروس، وغادرت “أريا” و”لورا” الأكاديمية لتجدا نفسيهما في قلبِ عالمٍ آخر.
كان المهرجان الكبير قد بسط ألوانه على المدينة
أكشاكٌ مزينة، وأشرطة تتمايل مع الريح، وشوارع تنبض بضحكات الأطفال.
استنشقت “أريا” عبق الحياة، وكأنّ بهجة السوق قد غسلت تعب صباحها الكئيب.
بما أن عطلة نهاية الأسبوع غداً.
قررت “أريا” زيارة منزل جدها كما خططت مع مونيكا.
وبدأت رحلة البحث عن هدية تليق بمقامه.
لم تكن تبحث عن ثمنٍ مادي، فعائلتها تملك كل شيء.
بل كانت تبحث عن “روح” تضعها بين يديه.
وسط الزحام، تجمدت عيناها على إطارٍ مرصع بمجوهوات دقيقة، يلمع تحت ضوء الشمس.
صاحت بحماس:
“لورا، انظري!”.
تأملت “لورا” الإطار وقالت:
“إنه جميل جداً يا أريا، لكن هل لديكِ صورة تناسب هذا الرقي؟”.
سرحت “أريا” بعيداً، وتذكرت تلك الصورة الجماعية القديمة التي خبأتها في صندوقها السري، خوفاً من أن تطالها يد زوجة أبيها “أريستا” فتمزقها.
قالت وعيناها تلمعان :
“لديّ صورة تجمعني بوالدي وجدي منذ كنت طفلة.. فكرتُ أن أهديها له كذكرى لا تموت”.
قالت “لورا” بتشكك:
“ولكنها صورة تجمع الكل، أليس لديكِ غيرها؟”.
أجابت “أريا” بابتسامةٍ مشرقة غطت على كل أحزانها:
“قد ينسى جدي متى التقطت، لكنه لن ينسى أبداً كيف كنا معاً. تخيلي فقط ابتسامته حين يراها في هذا الإطار.. تلك الابتسامة تساوي العالم عندي”.
بعد أن ابتاعتا الإطار وغلفتاه بحب، وانتهت جولتهما بين أكلات السوق اللذيذة.
ودعت “أريا” صديقتها.
غربت الشمس تماماً، وبدأت الأضواء الخافتة تضيء زوارق الشوارع.
فجأة، مرت بجانبها سيارة فاخرة تشبه سيارة والدها، لكن خلف زجاجها، كان المدير “لوكاس”.
تلاقت أعينهما للحظة خاطفة.
رأت في عينيه شيئاً غامضاً، بريقاً انطفأ بسرعة ليحل محله البرود المعتاد.
توقفت “أريا” مكانها تراقب طيف السيارة وهي تتلاشى في عتمة الليل.
بينما كانت دقات قلبها تضرب في صدرها كطبول حربٍ عنيفة.
ضحكت بمرارة على هذا التناقض الذي يمزقها.
فحب الطالبة لمديرها ليس مجرد خروجٍ عن المألوف.
بل هو «تمردٌ عفوي» لا يملك المرء حق التحكم فيه..
تمردٌ أعلنه قلبها على منطق عقلها..
ليركض خلف سراب رجلٍ لم يمنحها سوى الصقيع.
وكأن مشاعرها ولدت لتكون حرة، لا تقيدها القوانين ولا تكسرها الخيبات.
التعليقات لهذا الفصل " 13"