تجمّدت يداها على مقبض الباب البارد
كانت قطرات المطر تنزلق من خصلات شعرها المبللة لترتطم بالرخام في رتابة قاسية.
كان ذلك الصوت الرتيب هو الإيقاع الوحيد الذي يكسر صمت الردهة الخانق.
وفي عتمة المكان، لم يكن القابع أمامها سوى “إيدريك”، ابن أخت “أريستا”.. ذاك الكائن الماكر الذي يبث السمّ أينما حلّ.
كان يجلس بوضعية مسترخية، يضع قدماً فوق الأخرى بصلف، ويعبث بساعته في حركة تنمُّ عن ملل مصطنع.
وما إن وقعت عيناه على “أريا” وحالتها المزرية.
حتى افترّ ثغره عن تلك الابتسامة الجانبية التي تمقتها
ابتسامة مفترس وجد ضالته أخيراً.
“أوه، انظروا من عاد.. غارقة في المطر أم في المشاكل يا أريا؟”
تقدم نحوها بخطوات وئيدة محسوبة، ورائحة عطره النفاذة تسبقه لتخنق أنفاسها.
وقف أمامها مباشرة.
متلذذاً برؤية ارتجاف كتفيها وثيابها التي التصقت بجسدها من أثر المطر.
سألت بصوت حاولت جاهدة أن تشدّ أزره
رغم الزلزال الذي كان يقتلع جذور الطمأنينة في أعماقها
“إيدريك.. ما الذي تفعله هنا في هذا الوقت؟”
ضحك بسخرية هزت أركان المكان، ثم انحنى قليلاً ليهمس في أذنها بنبرة تقطر سماً..
“وهل يحتاج المرء سبباً لزيارة خالتِهِ؟”
ثم صمت قليلاً قبل أن يتابع بلسعٍ أشد.
“وخلف المكتبة؟ حقاً يا أريا؟ لم أكن أعلم أن ذوقكِ انحدر لدرجة مواعدة المشبوهين في الزوايا المهجورة.. الخالة أريستا ستموت ضحكاً حين تسمع.”
شحب وجهها حتى صار بلون الموت، وصرخت بصوت مخنوق
“كيف عرفت؟ هل كنت تلاحقني؟”
ردّ بحدة وهو يطبق بيده على معصمها حتى تأوهت..
” ألاحقك ؟ أنا فقط وضعت الطعم، و كنت واثقاً أن سمكة جائعة مثلكِ ستبتلعه دون تفكير ”
توقفت أنفاسها و هي تسأل بخفوت
” عن أي طعم تتحدث ؟”
” تلك الرسالة المجهولة التي جعلت قلبك يخفق، هل ظننتِ حقاً أن هناك غريباً غامضاً ينتظركِ خلف المكتبة ليهمس لكِ بالأسرار ؟”
إيدريك يميل برأسه و يضحك ببرود مستفز..
” أنا من كتبها يا أريا، انا ذلك ‘ المجهول’ الذي تلاعب بفضولكِ الصبياني ليجركِ إلى هناك”
تحدثت أريا بصدمة :
” أنت.. لماذا؟ “
إقترب منها أكثر، هامساً بصلف..
” و لماذا لا ؟ لقد كان الأمر مسلياً للغاية ، و الأن ها قد عرفتِ أنني أنا من فعلها ، ماذا ستفعلين إذاً ”
انفجار البركان
لم تعد أريا ترى أمامها؛ سحبت يدها بعنف
وبكل ما اختزنته في قلبها من قهر وسنين من الصمت، هوت بكفها على وجهه بصفعة مدوية.
ساد صمت قاتل في البهو، ومال رأس إيدريك جانباً
بينما كانت أنفاس أريا المتهدجة هي الصوت الوحيد المسموع.
تحولت نظراته من السخرية إلى غضب شيطاني
وقبل أن ينطق بكلمة، قُطع الصمت صوت “أريستا” وهي تهبط الدرج الرخامي بوقع كعبها العالي المستفز
“عزيزي إيدريك، ما الخطب؟ ما هذا الضجيج؟”
ما إن نزلت الدرجة الأخيرة حتى تجمد المشهد أمامها
ابن أختها المدلل يمسك خده المحمر، وأريا تقف أمامه كبركان ثائر.
استشاطت أريستا غضباً، واندفعت نحو أريا كالإعصار.
لم تستوعب أريا ما حدث إلا حين دار وجهها بعنف وارتطم جسدها بالأرض الباردة.
انقضت أريستا عليها، أمسكت بشعرها وقيدت حركتها، ثم راحت تنهال عليها بالصفعات.
كان ضرباً مسعوراً، كأنها تفرغ حقداً دفيناً تراكم لسنوات وانفجر في تلك اللحظة.
أما أريا، فقد دخلت في حالة من الذهول؛ لم تبكِ، لم تصرخ، بل ظلت شاخصة البصر، غارقة في دوامة من العدم.
كانت تسمع صراخ زوجة أبيها الهستيري وكأنه آتٍ من بئر سحيق
ورأت “مونيكا” تهرول نحوها بعيون دامعة قبل أن تصدها أريستا بوحشية.
وسط هذا الجحيم، لمحت أريا وجه إيدريك، كان يضحك ضحكة مقززة.
فكرت بمرارة:
“يا له من جبان، يختبئ خلف عباءة خالته وهو رجل بالغ”.
وفجأة، ودون سابق إنذار، انطلقت من حنجرتها ضحكة مسموعة، ضحكة يائسة هزت كيان الواقفين.
توقفت أريستا عن الضرب، ونظرت إليها بذهول ممزوج بالرعب
“ما هو المضحك هنا، أيتها الحمقاء؟”
لم تجبها أريا، بل نظرت إليها بعينين تعكسان غضب أريستا أضعافاً مضاعفة.
نهضت من على الأرض ببطء، منفضة غبار الإهانة عن جسدها المنهك، وتجاهلت الجميع بصمت مهيب.
صعدت الدرج الرخامي وكل عظمة في جسدها تصرخ من الألم، لكن كبرياءها كان يمنعها من السقوط.
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب على عالمها المحطم.
في الحمام، تركت الماء الدافئ يغمر جسدها، ومع أول قطرة لامست جراحها، انهارت السدود؛ سالت دموعها كسيلٍ جارف، وتحولت إلى شهقات مزقت صدرها.
كان الألم يعصف بقلبها لا بجسدها؛ كانت تدرك أن هذا التمرد له ثمن، وأن غضب أريستا لم يكن سوى البداية لمسلسل طويل من الانتقام.
بعد أن برد الماء، ارتدت ملابسها بسرعة، مدركةً أن أبسط حقوقها قد سُلبت، حتى مربيتها مُنعت من مواساتها.
استلقت على سريرها في الظلام الدامس، وأغمضت عينيها وهي تعلم يقيناً.
أن هذه الليلة ليست النهاية، بل هي مجرد بداية
التعليقات لهذا الفصل " 11"