1 - شهقة عالقة
«أرجوكِ لا ترحلي.. أرجوكِ يا أمي!»
كان الصراخ يمزق حنجرتها الصغيرة وهي تعدو حافية فوق حصى الطريق الذي لم يرحم قدميها
تطارد شبح سيارة يبتلعها الأفق.
تعثرت، ليس بجسدها فحسب، بل بكل آمالها، لترتمي على الأرض بقسوة.
مدت يدها المرتجفة نحو الغبار المتصاعد من خلف السيارة التي سرقت قلبها، وهمست بنشيجٍ محترق
«أمي.. أمي..».
استيقظت “أريا” والشهقة لا تزال عالقة في صدرها، وقلبها يقرع جدران أضلاعها كطيرٍ محبوس.
كانت الغرفة غارقة في عتمة كئيبة رغم تسلل خيوط الضوء من خلف الستائر المغلقة.
زحفت يدها نحو الطاولة الجانبية، لتمسك بكأس الماء وكأنها تبحث عن طوق نجاة
ابتلعت الماء بجرعات متعطشة، لكنها لم تستطع ابتلاع مرارة الدموع التي انزلقت على خديها فجأة
دموعٌ لم تكن تعلم أنها بدأت تذرفها منذ اللحظة التي فتحت فيها عينيها.
ذات الكابوس، بذات التفاصيل الجارحة، يطاردها منذ سنوات.
نهضت من فراشها المثقل بالذكريات، ورمقت الساعة المعلقة
الثامنة تماماً. الشمس كانت قد أعلنت انتصارها على الليل، لكن داخل أريا كان لا يزال ليلاً طويلاً.
ارتدت زي الأكاديمية على عجلة، وكأنها تهرب من صمت الغرفة، وانطلقت نحو الخارج.
في الرواق، واجهت نظرات الخادمات؛ تلك النظرات التي تشبه النصل البارد في تعاليها.
تجاهلت وخز أعينهن، وسارعت الخطى نحو الباب الرئيسي، لتجد أن السيارة -كالعادة- قد غادرت دونها
مخلفةً وراءها فراغاً معتاداً. تنهدت بعمق، زفرت فيه كل خيبات الصباح
وبدأت تركض نحو الأكاديمية؛ تلك المسافة التي تستغرق ربع ساعة مشياً، كانت تقطعها الآن بسباق مع الزمن .
وصلت والساحة تخلو إلا من أصداء تأخرها.
رتبت هندامها المبعثر بأصابع مرتعشة، وحاولت ترويض خصلات شعرها المتمردة، ثم سارت في الممر الطويل بخطوات تحاول أن تبدو واثقة رغم ارتجاف ركبتيها.
اليوم هي “حصة التاريخ”، والأستاذة “ماريتا” لا ترحم؛ امرأة بقلب من حجر ومزاج حاد، قادرة على تحويل يوم أي طالب إلى جحيم مستعر بمجرد هفوة واحدة.
أخذت نفساً عميقاً، وكأنها تستجمع شتات شجاعتها، وطرقت الباب بخفة خجولة.
توقف تدفق الكلمات فجأة، واستدارت ماريتا بوجهٍ صلب ملامحه لا تقرأ.
ابتلعت أريا ريقها الذي جفّ تماماً، وقالت بصوت متهدج
«صباح الخير، أستاذة ماريتا..»
جاء الرد سوطاً حاداً قاطع كلماتها:
«تأخيرٌ آخر؟»
«أنا.. أعتذر بشدة، أرجوكِ.. هي المرة الأخيرة، أعدكِ.»
«ماذا؟ المرة الرابعة وتجرئين على الوعود؟»
صرخت ماريتا، بينما شعرت أريا بغصة تخنق صوتها.
كانت نظرات الطلاب تحاصرها؛ بعضها يحمل شفقة باهتة لا تغني من جوع، وبعضها يقطر ازدراءً وكأنها كائن منبوذ.
رفعت رأسها ببطء، وفي عينيها بريق منكسر لكنه صامد:
«أعدكِ.. هذه المرة فقط.»
رمقتها ماريتا بنظرة نارية من خلف نظارتها التي رفعتها ببرود قاتل، ثم قالت:
«ادخلي. دقيقة واحدة أخرى في المرة القادمة، وسيكون مكانكِ خارج هذه الأسوار تماماً. هل هذا مفهوم؟»
«ح.. حسناً.»
دخلت مطأطئة الرأس، تجرّ خيبتها نحو مقعدها المحاذي للنافذة.
هناك، كانت “لورا” صديقة طفولتها والمرفأ الوحيد في عواصف حياتها بانتظارها.
انزلقت يد لورا تحت الطاولة لتشد على يد أريا برفق، كانت تلك اللمسة كفيلة بضخ بعض الدفء في عروقها المتجمدة.
عادت ماريتا للشرح، وانصرفت الأنظار عنها
فتنفس الرخاء في صدرها قليلاً.
ورغم الشتات الذي كان يملأ رأسها، كانت يد لورا الدافئة هي الحبل الذي يربطها بالواقع، حتى بدأت نبضات قلبها تهدأ تدريجياً.
بعد ساعتين، انكسر صمت التركيز برنين الجرس.
اندفع الطلاب كأنه سيل جارف، بينما جمعت أريا أغراضها بهدوء المنهك.
انتظرتها لورا عند الباب قائلة بمرح يحاول تبديد الكآبة
«هيا يا أريا، لنسرع! معدتي تقيم ثورة، أنا أموت جوعاً!»
ضحكت أريا، وكانت ضحكة متعبة لكنها صادقة
«حسناً.. ههه وأنا أيضاً.»
لم يلامس جوفها شيء منذ الصباح، ففي ذلك القصر ، تذبل الشهية بمجرد التفكير في ملامح زوجة أبيها القاسية.
لكن وجود لورا كان يعوضها عن كل نقص، كان حبها هو الزاد الحقيقي.
في الكافتيريا، كان الضجيج غير مألوف، همسات الفتيات تملأ الأرجاء بحماسٍ محموم
«هل رأيته حقاً؟»
«سمعتُ عنه فقط.. يقولون إنه لا يزال في ريعان الشباب!»
تبادلت أريا ولورا نظرات مستفهمة، قبل أن يكملا طريقهما بملل
ظانّتين أنه مجرد انجذاب جماعي عابر لطالب جديد.
جلستا في زاوية بعيدة، حيث يسكن الهدوء، وبدأت لورا بالحديث وهي تتناول طعامها
«يا لهن من صاخبات! خلتُ أن زلزالاً سيضرب الأكاديمية، وإذا به مجرد هراء عاطفي.»
«لكن.. سمعتهن يقلن إنه شاب؟»
تذكرت أريا بفضول بسيط.
«من يدري؟ دعكِ منهن الآن، لنأكل قبل أن تبرد الوجبة.»
ساد الصمت للحظات قبل أن تضع لورا يدها فوق يد صديقتها
ونظرت في عينيها بعمق
«أريا.. هل أنتِ بخير فعلاً؟ أعني.. في القصر ، مع زوجة أبيكِ؟»
أشاحت أريا بنظرها قليلاً وقالت
«كالمعتاد يا لورا.. لا جديد، لكنني تعلمت كيف أتأقلم مع الألم.»
ضغطت لورا على يدها بقوة أكبر
وكأنها تحاول نقل قوتها إليها
«عزيزتي، أنا هنا. مهما حدث، لا تحملي عبئكِ وحدكِ. لا تخبئي عني شيئاً، أرجوكِ.»
ارتسمت على شفتي أريا ابتسامة باهتة، محملة بشكرٍ لا تصفه الكلمات
«شكراً لكِ يا لورا.. أنتِ صديقتي الوحيدة .»
عادا لتناول الطعام، وتسللت الضحكات بينهما لتغسل بقايا كابوس الفجر
كأن وجود الصديق هو الشمس التي تذيب جليد الذكريات المرة.
Chapters
Comments
- 2 - خلف قضبان الذهب منذ ساعتين
- 1 - شهقة عالقة منذ 4 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"