ماري.
هذا هو اسمي، لم يمنحه لي والداي، بل السيدة “إيما” التي تولت تربيتي. لم يكن للاسم معنىً خاصٌّ، بل أخبرتني أنها اختارتهُ لأنه كان أول ما طرأ على بالِها حينذاك.
حين بلغتُ السادسةَ، كشفت لي السيدةُ إيما الحقيقةَ؛ أخبرتني أنني لسْتُ ابنتَها الحقيقيةَ، وأنَّ والديَّ قد تخلّيا عني.
— كانت ليلةً مطيرةً بغزارةٍ. جاء زوجانِ شابّانِ يحملانِكِ، ورجَوا أن أسمحَ لهما بالمبيتِ ليلةً واحدةً. أشفقتُ على تلك الصغيرةِ خشيةَ أن يصيبَها البردُ، فأدخلتُهما بيتي، لكنهما وبكلِّ جحودٍ، تركاكِ وفرّا هاربينَ في الفجرِ.
حينها فقط أدركتُ السببَ.
أدركتُ لِمَ كانت السيدةُ إيما تعاملني بفتورٍ وجفاءٍ.
‘لأنني لسْتُ ابنتَها الحقيقيةَ.’
لقد التمستُ لها العذرَ في قلبي؛ عذرتُها وهي تعطي أخي ويلتون أطرى أنواعِ الخبزِ واللحمِ والحلوى، بينما تكتفي بإعطائي كِسرةَ خبزٍ يابسةً قديمةً.
عذرتُها وهي تشتمني أحياناً بدعوى أنني عالةٌ أستهلكُ الطعامَ بلا فائدةٍ.
وعذرتُها حتى وهي تُلقي على كاهلي كلَّ أعباءِ المنزلِ بحجةِ أنَّ عليَّ تقديمَ أيِّ نفعٍ.
‘إذا أصبحتُ طفلةً مطيعةً، فربما يحبني السيدُ والسيدةُ قليلًا.’
السيدةُ إيما، والسيدُ توم، وأخي ويلتون.
بذلتُ قصارى جهدي لأكونَ فرداً من هذه العائلةِ، ولأحظى بكسرةٍ من حبِّهم.
— يا سيدة، سأتولى أنا تنظيفَ النوافذِ!
— يا سيد، تفضلْ، أحضرتُ لكَ ماءً بارداً.
— يا أخي، لقد قطفتُ لكَ هذا الفراولةَ من الجبلِ، تذوقْها!
كنتُ أبادرُ بالأعمالِ المنزليةِ دونَ أن يُطلبَ مني، وكنتُ دائماً بشوشةً ومطيعةً.
ظننتُ أنني بفعلي هذا، سأجعلُهم يحبونني يوماً ما.
ولكن حين بلغتُ السابعةَ، قالت لي السيدةُ إيما:
— لقد كبُرتِ الآن وباتَ بمقدورِكِ العملُ، فاذهبي واكسبي قوتَ يومِكِ بنفسِكِ.
— … عذراً؟
— ماذا؟ ألا يعجبُكِ الأمرُ؟ هل تودينَ أن تكوني جاحدةً كوالديكِ؟
— كلا، أبداً يا سيدة.
بدأتُ العملَ في مطعمٍ قريبٍ من المنزلِ. في البدايةِ، ترددَ السيدُ هومان صاحبُ المطعمِ في توظيفي لصغرِ سني، لكنه أشفقَ عليَّ بعدَ سماعِ قصتي وقبِلني.
كان العملُ شاقّاً، لكنه لم يكن يخلو من اللحظاتِ الطيبةِ.
— ميري، تذوقي هذا.
— ما هذا يا سيد؟
— إنها حلوى ‘الجيلي الهشّة’، وهي مشهورةٌ جداً بين الأطفالِ هذه الأيامِ.
كان السيدُ هومان يعطيني أحياناً قطعاً من الحلوى اللذيذةِ، وكان يمنحني فتراتِ راحةٍ، بل وخصصَ لي ركناً صغيراً في المستودعِ لأستريحَ فيه بسلامٍ.
ولم يكن السيدُ هومان وحدَه من يعاملني بلطفٍ.
— يا آنسةُ، خذي، هذه بقشيشٌ لكِ.
— شكراً جزيلاً!
كان الزبائنُ الدائمون يمنحونني أحياناً بعضَ العملاتِ المعدنيةِ كإكراميةٍ، وبفضلِ ذلك كنتُ أجني مالاً وفيراً مقارنةً بجهدي.
وبالطبعِ، كان كلُّ قرشٍ أحصلُ عليه يذهبُ مباشرةً إلى يدِ السيدةِ إيما تحت مسمى تكاليفِ السكنِ والطعامِ وحججٍ أخرى لا تنتهي.
وهكذا، حتى بلغتُ الثالثةَ عشرةَ.
في إحدى الليالي، استرقتُ السمعَ صدفةً لحديثٍ يدورُ بين السيدةِ إيما والسيدِ توم.
— عزيزي، لديَّ خبرٌ سارٌّ.
— أيُّ خبرٍ؟
— تخيّلْ، البارونُ ‘أوكتوس هيلمونس’ يضعُ عينَه على ماري!
— أوكتوس؟ ذلك العجوزُ؟
— عجوز؟! احذرْ كلماتِكَ! إنه يبدو كبيراً فقط بسبب صلعِه، لكنه ما زالَ بكاملِ صحتهِ.
— ليكنْ كما تقولين. وهل تودينَ تزويجَها له؟
— بالتأكيدِ!
خفقَ قلبي بشدةٍ أمامَ إجابةِ السيدةِ إيما القاطعةِ التي لم تخلُ من ذرةِ ترددٍ.
كان البارونُ أوكتوس يكبُرني بثلاثينَ عاماً، وقد طلّقَ أكثرَ من عشرِ مراتٍ. أن أتزوجَ من شخصٍ كهذا؟ كان أمراً مستحيلاً بالنسبةِ لي.
— أليست صغيرةً جداً على الزواجِ؟
— وما المشكلةُ؟ ليست ابنتي على أيةِ حالٍ. ثم إنَّ زوجتَه السابقةَ كانت في السابعةِ عشرةَ، وأعتقدُ أنَّ البارونَ سيُسرُّ بصبِاها.
— معكِ حقٌّ.
كنتُ أقفُ مكاني مذهولةً وأنا أسمعُ ضحكاتِهما المتعاليةَ. تمنيتُ أن أندفعَ نحوهما وأصرخَ بأني لا أريدُ الزواجَ، لكنَّ قدميَّ تسمرتا في الأرضِ.
هل سيتغيرُ شيءٌ إن تكلمتُ؟
— حسناً، حاولي التحدثَ معه جيداً، واطلبي مهراً كبيراً.
— بالطبعِ سأفعلُ. يقالُ إنَّ فاعلَ الخيرِ يُجزى به، وها أنا أُجزى خيراً لانتشالي تلك اليتيمةِ وتربيتها.
— ألم تكوني تقولينَ إنكِ تودينَ رميَها لأنها عالةٌ وتستهلكُ الطعامَ بلا فائدةٍ؟
— كان ذلك سابقاً، أما الآن فقد حانَ وقتُ ردِّ الجميلِ، وبفضلِ وجهِها الحسنِ سننالُ هذا الرزقَ الوفيرَ.
أمامَ هذا الحديثِ الذي يعاملني كسلعةٍ، تحطمَ آخرُ أملٍ لي في أن نصبحَ عائلةً حقيقيةً يوماً ما.
لم أحتملْ سماعَ المزيدِ، ففررتُ هاربةً من مكاني.
وبعد فترةٍ وجيزةٍ، غادرتُ المنزلَ في صمتٍ.
وهكذا، وبينما كنتُ أهيمُ على وجهي بلا مأوىً ولا زادٍ.
سمعتُ صدفةً أنَّ عائلةَ هاميلتون تبحثُ عن خدمٍ، وأنهم سيقبلون أيَّ شخصٍ لديهِ شغفٌ بالعملِ بغضِّ النظرِ عن عمرِه أو جنسِه أو مكانتِه. عندها، توجهتُ إلى هناك دونَ ترددٍ.
فقد كنتُ واثقةً من شيءٍ واحدٍ؛ وهو شغفي بالعملِ.
— سأجمعُ المالَ هنا بجدٍّ لأشتريَ منزلاً، وسأتزوجُ من شخصٍ أحبُّه، وأنجبُ أطفالاً صغاراً لنبنيَ عائلةً سعيدةً، هذا هو هدفي!
كما قلتُ في المقابلةِ، كان لديَّ حلمٌ بأن أبني مستقبلاً سعيداً بقوتي الخاصةِ.
***
سردتُ للسيدِ الصغيرِ قصتي حتى وصولي إلى القصرِ، مع حذفِ بعضِ التفاصيلِ المؤلمةِ.
فلا ينبغي لصبيٍّ صغيرٍ أن يسمعَ قصصاً مظلمةً كهذه، فقد تؤثرُ على نفسيتِه.
“كنتُ أشعرُ بالحزنِ أحياناً لأنهم كانوا يعطونَ كلَّ الطعامِ اللذيذِ لأخي فقط.”
تحدثتُ بلهجةٍ خفيفةٍ وضاحكةٍ وكأنني أشتكي من أمورٍ بسيطةٍ، وتجاوزتُ الأجزاءَ الكئيبةَ.
كان السيدُ الصغيرُ يستمعُ إليَّ بملامحَ جادةٍ وصمتٍ تامٍّ، ولم ينطقْ إلا حين وصلتُ لقصةِ زواجي الوشيكِ من البارونِ أوكتوس.
“هل جُنّوا؟! كيف يزوجونكِ لذلك العجوزِ الخرّفِ؟”
“ولكنَّ سنَّ الأربعينَ لا يُعتبرُ خرفاً تماماً…”
“بل هو عجوزٌ خرّفٌ، وشيخٌ قد أصابه الهذيانُ. من أيِّ عائلةٍ هو؟ هيلموندس؟”
“هيلمونس.”
“انتظري بضعَ سنواتٍ فقط. حين أصبحُ بالغاً، سألقنُ ذلك البارونَ درساً لن ينساهُ.”
بدا السيدُ الصغيرُ غاضباً وكأنَّ الأمرَ يخصُّه شخصيّاً.
وحين رأيتُه يتذمرُ هكذا، انقشعَ عن قلبي بعضُ الحزنِ، وارتسمت على شفتيَّ ابتسامةٌ تلقائيةٌ.
“شكراً لكَ يا سيدي.”
“أنا لا أمزحُ. أقسُمُ باسمِ هاميلتون، سأجعلُ ذلك البارونَ العجوزَ لا يجرؤُ على رفعِ رأسِه أمامَ الناسِ.”
“حاضر، سأنتظرُ ذلك اليومَ.”
في الحقيقةِ، لم أكن أتوقعُ الكثيرَ؛ فربما حين يكبُرُ السيدُ الصغيرُ، سيتمحى هذا الوعدُ من ذاكرتِه.
لكنَّ مجردَ تفكيرِه فيَّ كان كافياً لإسعادي.
***
ومنذُ ذلك اليومِ.
كان السيدُ الصغيرُ يشاركني حلوياتِه بين الحينِ والآخرِ.
“خذي، كلي هذه الكعكةَ.”
“عذراً؟ ولكنَّ هذه الحلوى مخصصةٌ لكَ يا سيدي.”
“أشعرُ بالشبعِ ولا أستطيعُ أكلَها.”
“إذاً لِمَ طلبتَ إحضارَها؟”
“هذا شأني، هل لديكِ اعتراضٌ؟”
“كلا، أبداً. هيهي، سآكلُها بامتنانٍ.”
يبدو أنَّ حديثي عن حزني لعدمِ تذوُّقِ الأشياءِ اللذيذةِ في صغري قد أثرَ في نفسِه.
‘أنا مجردُ خادمةٍ، فهل يصحُّ لي أكلُ حلوى السيدِ الصغيرِ هكذا؟’
كنتُ أخشى أن توبخني السيدةُ ليسا إن علمتْ بالأمرِ، ومع ذلك لم أستطعْ مقاومةَ إغراءِ تلك الحلوياتِ الشهيةِ، فكنتُ أتناولُ الشوكةَ في كلِّ مرةٍ.
خاصةً وأنَّ السيدَ الصغيرَ هددني بأنه سيرمي كلَّ ما يتبقى في القمامةِ إن لم آكلْه.
— السكرُ والكريمةُ أشياءٌ ثمينةٌ جداً، فكيف ترميها هكذا؟
— إن كنتِ تشفقينَ عليها، فكليها أنتِ.
‘الطعامُ شيءٌ مقدسٌ، ولا يمكنُ رميُ هذه الحلوياتِ التي صنعها الطباخُ بكلِّ جهدٍ.’
بودينغ، ماكرون، تارت، ميل فوي، إكلير.
كنتُ أقضي أياماً ممتعةً وأنا أتعلمُ القراءةَ وأتذوقُ أنواعاً من الحلوياتِ التي يصعبُ حتى حفظُ أسمائِها.
وفجأةً في أحدِ الأيامِ:
“آنسة ماري، بعدَ تقديمِ وجبةِ العشاءِ، تفضلي بالمجيءِ إلى المبنى الرئيسيِّ لفترةٍ وجيزةٍ.”
“عذراً؟ ولِمَ أذهبُ إلى المبنى الرئيسيِّ؟”
“لقد طلبت السيدةُ ريانه حضورَكِ.”
لِمَ تطلبُ السيدةُ ريانه رؤيتي؟ هل اكتشفتْ أنني آكلُ حلوى السيدِ الصغيرِ؟
يقالُ إنَّ ‘السارقَ يظنُّ أنَّ كلَّ الناسِ تطاردُه’.
بدأ قلبي يخفقُ بعنفٍ، وطوالَ طريقي إلى المبنى الرئيسيِّ كنتُ أشعرُ وكأنني سجينٌ يُساقُ إلى زنزانتِه.
وقفتُ أمامَ السيدةِ ريانه وأنا في غايةِ التوترِ. كانت ترتدي برقعَها كما في المرةِ الأولى، فلم أستطعْ رؤيةَ ملامحِ وجهِها.
وقبل أن تنطقَ السيدةُ ريانه بحرفٍ، انحنيتُ بسرعةٍ وصرختُ:
“أنا آسفةٌ جداً! لقد فعلتُ ذلك فقط لأني أشفقتُ على الحلوياتِ من الضياعِ. لن أكررَ ذلك أبداً! لذا أرجوكِ… لا تطرديني.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"