اتكأ السيد الصغير بظهرهِ على الأريكةِ الوثيرةِ وبدأ يقرأُ كتابَه. وحين ترامى إلى مسامعي صوتُ تقليبِ الصفحاتِ الرقيقِ، شعرتُ برغبةٍ مفاجئةٍ في التثاؤبِ.
مهما كان السيدُ الصغيرُ هو من أمرني بالجلوسِ، فلا يصحُّ لي أن أغفوَ أمامهُ.
وبينما كنتُ أحاولُ جاهدةً إبقاءَ عينيَّ مفتوحتينِ، رمقني بنظرةٍ مِلؤُها الشفقةُ وقال:
“إن كنتِ تشعرينَ بالمللِ، فاقرئي كتاباً.”
“كـ… كتاباً؟”
“أنتِ تكرهينَ القراءةَ؟”
“آه، كلا. بل أحبُّها. إذاً، سأذهبُ لأختارَ كتاباً يناسبني.”
لم أشأ أن أردَّ كرمَه، فتوجهتُ نحو رفوفِ الكتبِ، واخترتُ كتاباً بوزنٍ مناسبٍ ثم عدتُ لأجلسَ فوق الأريكةِ.
رآني السيدُ الصغيرُ أحملُ الكتابَ، فعاد ليركزَ في قراءتِه. أما أنا، فقد بدأتُ أقلبُ الصفحاتِ بهدوءٍ تامٍّ كي لا أعكرَ صفوَه.
خـش… خـش.
كان صوتُ الورقِ وهو ينسابُ بين الأصابعِ يبعثُ في النفسِ طمأنينةً في أرجاءِ الغرفةِ الساكنةِ.
لم أكن أحلمُ يوماً بحياةٍ رغيدةٍ كهذه؛ أجلسُ فوق أريكةٍ مريحةٍ وأقلبُ صفحاتِ الكتبِ. وشعرتُ مرةً أخرى بمدى حظي لكوني خادمةً في منزلِ هاميلتون.
وبينما كنتُ غارقةً في تأملاتي وأقلبُ الصفحاتِ بانتظامٍ، التفتَ السيدُ الصغيرُ نحوي فجأةً وقال:
“هل أنتِ متأكدةٌ أنكِ تقرئينَ حقاً؟”
“نعم، يا سيدي.”
“كاذبةٌ.”
“كاذبةٌ؟! لقد قرأتُ هذا القدرَ بالفعلِ.”
لوحتُ له بمجموعةِ الصفحاتِ التي تجاوزتُها، فجاءتني نظرتُه مفعمةً بالذهولِ:
“وهل تقرئينَ الكتابَ وهو مقلوبٌ؟”
“أوه! أكان مقلوباً؟”
ضحكتُ باحراجٍ أمامَ ملاحظتِه الدقيقةِ.
“هيهي…. لقد كُشفَ أمري.”
كنتُ أظنُّ تمثيلي متقناً إلى أبعدِ حدٍّ! لم أتخيلْ أبداً أنني كنتُ أمسكُ الكتابَ بالمقلوبِ.
قررتُ أن أبوحَ له بالحقيقةِ وقلتُ بصوتٍ خافتٍ يملؤُه الخجلُ:
“أعتذرُ منك. في الواقعِ….. لم أذهبْ إلى الأكاديميةِ قط، لذا أنا لا أجيدُ القراءةَ.”
أمالَ السيدُ الصغيرُ رأسَه وسألني بنبرةٍ غريبةٍ:
“ولكنكِ قلتِ إنكِ قرأتِ قصةً عن أميرٍ ملعونٍ؟”
“تلك القصةُ لم أقرأها بنفسي، بل سمعتُ جارتنا العجوزَ وهي تقرأُها لي، أما أنا فكنتُ أكتفي بالنظرِ إلى الصورِ.”
هتفَ السيدُ الصغيرُ بملامحَ غيرِ راضيةٍ:
“إذاً لِمَ تظاهرتِ بالقراءةِ؟”
“لأنكَ أنتَ من أمرتني بذلك.”
“……”
“بما أنني خادمتُكَ، فعليَّ أن أطيعَ أوامرَكَ.”
حين رددتُ كلماتِه التي قالها سابقاً بدقةٍ، ارتعشت زاويةُ فمِه. ثم تلاشت الحدةُ من عينيهِ لتصبحا أكثرَ ليونةً، وارتسمت على وجهِه ابتسامةٌ خفيةٌ.
“أجل، أنتِ تدركينَ واجباتكِ جيداً.”
رغمَ نبرتِه الجافةِ المعتادةِ، إلا أنَّ نبرةَ فرحٍ لم يستطعْ إخفاءَها تسللت إلى كلماتِه.
الحمدُ لله، يبدو أنَّ إجابتي قد نالت استحسانَه.
سعلَ السيدُ الصغيرُ لِيُنحنحَ ثم سأل:
“ومع ذلك، ليس عليكِ إجبارُ نفسكِ على فعلِ شيءٍ لمجردِ أنني أمرتُ به. إن كنتِ لا تستطيعينَ فعلاً، فقولي ذلك صراحةً.”
“حاضر يا سيدي، سأفعلُ ذلك في المرةِ القادمةِ.”
“حسناً. ومن الآنَ فصاعداً، سأعلمُكِ أنا القراءةَ والكتابةَ.”
اتسعت عينايَ من الدهشةِ أمامَ هذا العرضِ غيرِ المتوقعِ.
“ماذا؟ أنتَ يا سيدي؟”
“ألا تريدينَ؟”
“آه، كلا! بل أريدُ. أريدُ بشدةٍ!”
أومأتُ برأسي مراراً وتكراراً خوفاً من أن يغيرَ رأيَه.
لطالما تمنيتُ أن أتعلمَ القراءةَ يوماً ما؛ فقد كان جهلي يسببُ لي الكثيرَ من المواقفِ المحرجةِ والصعوباتِ. لكنني لم أكن أملكُ الوقتَ أو المالَ لتحقيقِ هذا الحلمِ.
أن يتنازلَ السيدُ الصغيرُ ليعلمني بنفسِه… كان هذا مدعاةً لفرحٍ حقيقيٍّ نبعَ من أعماقِ قلبي.
“بما أننا فتحنا الموضوعَ، هل نبدأُ الآن؟”
“ألن يزعجكَ ذلك؟ يبدو أنكَ لم تنتهِ من قراءةِ كتابِكَ بعدُ…”
“يمكنني إكمالُ الكتابِ لاحقاً.”
نهضَ السيدُ الصغيرُ وعلى وجهِه ملامحُ السرورِ، وأحضرَ ورقةً وريشةً من على مكتبِه.
“سأبدأُ بتعليمِكِ الحروفَ الأساسيةَ، فانظري جيداً.”
بدا السيدُ الصغيرُ مستمتعاً للغايةِ وهو يخطُّ الحروفَ حرفاً حرفاً بوضوحٍ على الورقةِ.
وبينما كنتُ أتأملُ بجديةٍ تلك الحروفَ السوداءَ التي تُرسمُ فوقَ الورقةِ البيضاءِ، خطرت ببالي فكرةٌ.
‘بما أنه في حالةٍ مزاجيةٍ جيدةٍ الآن، فربما يسمحُ لي بفتحِ الستائرِ؟’
سألتُه بحذرٍ:
“سيدي، المكانُ مظلمٌ قليلاً ولا أرى الحروفَ بوضوحٍ، هل تسمحُ لي بإزاحةِ الستائرِ؟”
“ماذا؟ يمكننا زيادةُ إضاءةِ المصابيحِ.”
أوه، الأمرُ ليس سهلاً.
لم أحصلْ على الإجابةِ التي أتمناها، لكنني لم أستسلم وتظاهرتُ بالبراءةِ:
“أنا لستُ معتادةً على أضواءِ المصابيحِ هذه. وفي الحقيقةِ، كان لديَّ حلمٌ بأن أتعلمَ الكتابةَ تحتَ ضوءِ الشمسِ الدافئِ بجانبِ النافذةِ. إن سمحتَ لي بذلك، فسأحققُ حلمي… ألا يمكنُ؟”
جمعتُ كفَّيَّ وأرسلتُ له نظرةً مِلؤُها التوسلُ، فارتبكَ السيدُ الصغيرُ.
“مـ… ما هذا الحلمُ البسيطُ؟ لا بأسَ، سأسمحُ لكِ استثناءً هذه المرةَ.”
نجحتُ!
هتفتُ في داخلي بانتصارٍ. الآنَ ستدخلُ أشعةُ الشمسِ إلى هذه الغرفةِ كلَّ يومٍ!
“شكراً لكَ يا سيدي!”
ركضتُ بحماسٍ وأزحتُ الستائرَ، فغمرَ الضوءُ المكانَ حتى كادَ يبهرُ بصري.
***
ما إن أنهى ريكاردو كلامَه، حتى انطلقت ماري مسرعةً لتزيحَ الستائرَ. وقفت ماري وخلفها فيضٌ من نورِ الشمسِ الساطعِ، ووجهت نحوه ابتسامةً مشرقةً.
“سيدي، انظر. السماءُ صافيةٌ جداً اليومَ.”
أغمضت ماري عينيها قليلًا بسببِ قوةِ الضوءِ وهي تضحكُ بصوتٍ عالٍ.
ولكن لسوءِ الحظِّ، لم تكن السماءُ الصافيةُ ولا الضوءُ المتدفقُ عبر النافذةِ هما ما يجذبُ انتباهَ ريكاردو؛ فقد كانت عيناهُ مسمرتينِ فقط على وجهِ ماري.
شعرُها الذي يشبهُ لونَ القمحِ، ويبدو ناعماً كخيوطِ الحريرِ المغزولةِ للتوِّ.
عيناها الذهبيتانِ اللتان تتألقانِ أكثرَ من الجواهرِ.
والنمشُ الصغيرُ المنثورُ فوق وجنتيها البيضاويتينِ كأنها نجومٌ صغيرةٌ.
“بالفعل… إنها مشرقةٌ جداً.”
تمتمَ ريكاردو وهو شبهُ غائبٍ عن الوعي أمامَ ابتسامةِ ماري التي كانت أكثرَ توهجاً من الشمسِ نفسِها. كان مرتبكاً لدرجةِ أنه لم يدركْ ماذا يقولُ.
كادَ لسانُه يزِلُّ ويخبرها: ‘ماري، أنتِ أكثرُ إشراقاً ودفئاً من ضوءِ الشمسِ.’
شعرَ بحرارةٍ غريبةٍ تسري في وجهِه، وسخونةٍ في عنقِه، وبدا عقلُه مشوشاً.
أقنعَ نفسَه أنَّ كلَّ هذا بسببِ حرارةِ الشمسِ؛ فمن المؤكدِ أنَّ الضوءَ الذي أنارَ الغرفةَ المظلمةَ كان حاراً جداً، وهذا هو سببُ سخونةِ وجهِه بلا شكٍّ.
***
منذُ ذلك اليومِ، بدأ السيدُ الصغيرُ يعلمني الكتابةَ كلَّ ظهيرةٍ. وبفضلِ ذلك، لم أعد مضطرةً للذهابِ والإيابِ بين الغرفِ.
كما أنَّ السيدَ الصغيرَ قللَ من عددِ مراتِ سحبِ جرسِ الاستدعاءِ، وإن كان يتعمدُ أحياناً رنَّ الجرسِ بمشاكسةٍ في اللحظةِ التي أهمُّ فيها بالرحيلِ.
لكنني كنتُ أعتبرُ ذلك مجردَ مزاحٍ لطيفٍ من طفلٍ صغيرٍ وأتحملُه.
وفي أحدِ الأيامِ وبينما كنا نتعلمُ…..
سألني السيدُ الصغيرُ:
“ولكن، لِمَ لم ترتادي الأكاديميةَ؟ ألا يتعلمُ عامةُ الشعبِ الآنَ المبادئَ الأساسيةَ في الأكاديمياتِ؟”
كان كلامُه صحيحاً؛ ففي الماضي لم يكن لعامةِ الشعبِ فرصةٌ للتعليمِ، ولكن بعدَ تعديلِ قوانينِ الإمبراطوريةِ، افتُتحت العديدُ من الأكاديمياتِ العامةِ المخصصةِ لهم. كما كان يتمُّ إرسالُ معلمينَ للقرى الصغيرةِ أيضاً. وفي قريتي “ميلرتون”، كانت توجدُ أكاديميةٌ صغيرةٌ ومعلمٌ مرسلٌ إليها.
“ألم تكوني ترغبينَ في الذهابِ؟”
هززتُ رأسي بسرعةٍ رداً على سؤالِه:
“كلا، كنتُ أرغبُ في ذلك بشدةٍ.”
كان معظمُ أطفالِ القريةِ يرتادونَ الأكاديميةَ، وكنتُ أغبطُهم كثيراً.
“إذاً، لِمَ لم تذهبي؟”
“آه، ذاك…”
ضحكتُ بصدقٍ وأجبتُه بصراحةٍ:
“لم أكن أملكُ المالَ للذهابِ إلى الأكاديميةِ.”
“ولكنَّ الأكاديمياتِ العامةَ مجانيةٌ.”
“رسومُ الالتحاقِ والتعليمِ مجانيةٌ فعلاً، ولكنَّ الأدواتِ المدرسيةَ من كتبٍ وأقلامٍ وغيرها يجبُ شراؤُها على حسابِنا الخاصِّ.”
بدا على وجهِ السيدِ الصغيرِ تعبيرٌ وكأنه لا يفهمُ أين تكمنُ المشكلةُ.
كان من الطبيعي ألّا يدركَ مدى غلاءِ الكتبِ والأقلامِ بالنسبةِ لفقيرٍ من العامةِ.
“وفوقَ ذلك، الذهابُ إلى الأكاديميةِ يعني عدمَ وجودِ وقتٍ للعملِ.”
“… ومنذُ أيِّ سنٍّ بدأتِ بالعملِ؟”
“ممم… ربما منذُ السابعةِ؟ بدأتُ بتنظيفِ المطاعمِ وغسلِ الأطباقِ. وحين كبرتُ قليلاً، بدأتُ بالعملِ في الخياطةِ ورعايةِ الأطفالِ.”
حين سردتُ له أعمالي السابقةَ، سألني بدهشةٍ:
“وهل يبدأُ كلُّ العامةِ بالعملِ في مثلِ هذا السنِّ المبكرِ؟”
“آه، ليس الجميعَ. معظمُهم يرتادونَ الأكاديميةَ قبل سنِّ العاشرةِ لتعلمِ الأساسياتِ. أنا فقط بدأتُ العملَ مبكراً قليلاً.”
“ولماذا؟”
حتى هذه اللحظةِ كنتُ أجيبُ على كلِّ أسئلتِه بطلاقةٍ، لكنني ترددتُ هذه المرةَ.
ليس لأنني لا أريدُ الإجابةَ، ولكنَّ الكلماتِ وقفت غصةً في حلقي.
‘لا بأسَ، أنا لم أفعلْ شيئاً خاطئاً، وليس في الأمرِ ما يدعو للخجلِ.’
تنفسُت الصعداءَ ثم قلتُ مبتسمةً:
“لأنه لم يكن لديَّ والدانِ.”
ارتجفَ صوتي قليلاً.
رغمَ أنني أشعرُ أنَّ الأمرَ طبيعيٌّ تماماً، وليست قصةً حزينةً، إلا أنَّ قلبي بدأ يخفقُ بشدةٍ وشعرتُ بوخزةٍ في حلقي.
لسببٍ ما، بدأتُ أتذكرُ كلَّ ما مررتُ به حتى الآنَ.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"