2
هتفتُ دون تفكير:
“أنا موافقة، لا بأس عندي!”
كان الجناح الملحق يقع في بقعة نائية عن القصر الرئيسي. ورغم أنني لم أطأه قط، إلا أنني التقطتُ شذرات من الأحاديث أثناء انتظار دوري في المقابلة؛ يقولون إنه بناء متهالك عفا عليه الزمن، كئيب لا تزوره شمس الضحى.
“ماذا لو تم تعييني في الجناح الملحق بعد كل هذا العناء؟”
“أتفق معك، أتمنى من كل قلبي العمل هنا في القصر الرئيسي.”
“وأنا كذلك، ليتهم يمنحونني مهمة يسيرة.”
استرجعتُ تلك الهمسات التي دارت بين المتقدمات، ثم أضفتُ بحزم:
“لا يزعجني الظلام أبدًا، سأبذل قصارى جهدي في أي عمل يُوكل إليّ.”
سواء كان العمل في القصر الرئيسي، أو الجناح الملحق، أو حتى لو عُينتُ مسؤولة عن المخازن، لم يكن ذلك ليرديني.
كل ما كان يشغل بالي هو البقاء هنا فحسب. ليس من السهل على فتاة عامية في الرابعة عشرة من عمرها أن تجد وظيفة بهذا الراتب المجزي؛ لقد كانت فرصة لا يجوز التفريط فيها أبدًا.
إقامة كاملة، راتب وفير، وفوق ذلك كله.. خبرة العمل لدى عائلة “الدوق”! أين يمكنني أن أجد ملاذًا كهذا؟
وكأن مشاعري التائقة للقبول قد وصلت إليها، ابتسمت السيدة ريانه وأومأت برأسها قائلة.
“حسنًا، أظن أن الأمر سيكون على ما يرام معكِ.”
وبينما كنتُ أتأمل وجهها الوديع، راودني خاطر يفوق قدري؛ تمنيتُ لو أنها تلمس شعري بيديها الحانيتين مرة أخرى.
***
في نهاية المطاف، عُينت ماري خادمة في الجناح الملحق.
وما إن غادرت الفتاة الغرفة، حتى تلاشت الابتسامة عن وجه ريانه في لمح البصر، وعادت إلى ملامحها الباردة التي لا تشي بأي شعور، كما كانت دائمًا.
“سيدتي، لم يفت الأوان بعد. إذا كنتِ تشعرين بالذنب تجاهها، يمكننا صرف مكافأة ترضية وإرسالها حالًا. هل يعقل حقًا أن نعهد بخدمة الشاب الصغير لفتاة نكرة ومن أصل وضيع كهذه..؟”
قاطعتها ريانه بهدوء:
“قاعدة عائلة ‘هاميلتون’ تقول: نوظف من يستحق العمل بغض النظر عن أصله.”
“لكن، يا سيدتي….”
كانت رئيسة الخدم ليسا قد خدمت الدوقة لسنوات طوال، وتعلم يقينًا أنها سيدة حكيمة ذات بصيرة نافذة، إلا أن قرارها هذه المرة بدا متهورًا.
لم يكن من شيم ريانه أن توظف خادمة غرة بمجرد محادثة عابرة، بل وتأتمنها على ابنها بهذه السرعة.
“ليسا، تلك الطفلة لم تشعر بأي ضيق حين لمستُ وجهها.”
استحضرت ريانه مشهد الفتاة قبل قليل.
— آه.. هل أصعد فوق المكتب؟ هكذا ستتمكنين من لمس وجهي براحة أكبر!
تلك الصغيرة التي أشارت إلى المكتب بوجه مشرق يخلو من أي ذرة خوف…. كانت ضئيلة الحجم بالنسبة لسنها، بريئة لدرجة لا تليق بأترابها.
كانت تلك المرة الأولى التي لا يرتجف فيها أحد تحت وطأة لمستها. حتى ريانه نفسها كانت تشعر بالذعر أحيانًا حين تلمس بشرتها بتلك اليد الملطخة بالسواد.
لكن ماري حين لامست تلك اليد وجنتيها، لم تظهر ريبة ولم تشح بوجهها تقززًا. بل مالت بعينيها وكأنها غارقة في التفكير، ثم حركت شفتيها الصغيرتين لتنطق بما لم يتوقعه أحد.
“لقد قابلتُ الكثيرين في حياتي، لكنها المرة الأولى التي أرى فيها شخصًا يقلق على راحتي في موقف كهذا.”
كانت ماري تختلف تمامًا عن كل من عرفتهم ريان.
— لا بد وأن الأمر مؤلم جدًا.. هل أنتِ بخير؟
تلك الطيبة التلقائية في القلق على الآخرين، وحيويتها التي تشبه زقزقة عصفور يبشر بالفجر…. كان دفئها أسطع من نور الشمس، فذوّب الجليد الذي جمد قلب ريانه لزمن طويل. وهذا هو السر وراء قرارها غير المعتاد.
“سأثق في طيبتها تلك.”
انحنت ليسا بعمق وقالت: “..إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد في نظركِ يا سيدتي، فليس لدي أي اعتراض.”
فكرت ريانه في سرها.
‘تلك الطفلة التي تشبه شعاع الشمس، ستضيء حتمًا عتمة الجناح الملحق. وكما أذابت الجليد في قلبي، ستذيب الألم الذي يسكن طفلي الغالي.’
***
بعد انتقالي إلى الجناح الملحق، وقعتُ على وثيقة تعهد؛ كانت تنص على التزامي بالصمت المطبق وعدم إفشاء أي سر مما أراه أو أسمعه هنا.
وبمجرد توقيعي، بدأت السيدة ليسا تطلعني على مهامي: “آنسة ماري، ستكون وظيفتكِ هي رعاية السيد الصغير.”
“السيد الصغير؟”
انعقد لساني من الدهشة. لم أكن أعلم أن لعائلة هاميلتون ابنًا! يبدو أنهم أحاطوه بسياج من السرية لدرجة لم تصل معها أي شائعة للعلن. شعرتُ بثقل المسؤولية لمعرفة سر من أسرار الدوق، لكن القلق الأكبر كان في نفسي:
“هل يعقل لفتاة مثلي أن تخدم شخصًا بمثل مكانته ورفعته؟”
كانت خدمة النبلاء حكرًا على من يماثلونهم في الطبقة، أما أنا فكنتُ مجرد عامية، لم أتلقَ تعليمًا مرموقًا في الأكاديميات. تملكني الخوف من ألا أكون على قدر المهمة.
“ألم تقولي إنكِ ستنجزين أي عمل مهما بلغت صعوبته؟”
أيقظني صوت ليسا الحازم من غفلتي. تذكرتُ عهدي؛ سأفعل أي شيء للبقاء هنا.
“أعتذر بشدة، لم أقصد التذمر.”
حين انحنيتُ معتذرة، لان صوت ليسا قليلًا وقالت:
“السيدة ريانه هي من اختارتكِ بنفسها. أنا واثقة أنكِ ستنجحين.”
“حاضر، سأبذل كل ما في وسعي!”
ابتسمت ليسا برضا واصطحبتني إلى غرفة الشاب الصغير، وفي الطريق، أمطرتني ببعض الوصايا التي حفظتها في ذهني عن ظهر قلب:
١. يُمنع منعًا باتًا الحديث عن مظهره الخارجي.
٢. تُقدم الوجبات إلى غرفته مباشرة كل يوم.
★ (مهم جدًا): التأكد من تناوله للدواء فور الانتهاء من الأكل!
* لا تُقدم الحلوى إلا بطلب منه، وبعد التأكد من تناوله الدواء.
٣. تبديل شراشف السرير وثيابه كل صباح.
لم تكن المهام مستحيلة كما خشيت، بل كانت تقع في دائرة قدراتي. كما علمتُ أن عمره عشر سنوات، أي أنه يصغرني بأربعة أعوام.
في العاشرة؟ تذكرتُ كولين، ابن جارتنا الذي كنتُ أرعاه أحيانًا. كان كولين خجولًا ومنطويًا، يختبئ مني في البداية، لكننا ما إن تقاربنا حتى أصبح ظلي الذي لا يفارقني، يناديني “نونا” ويتبعني في كل مكان.
ارتسمت على وجهي ابتسامة تلقائية عند ذكراه. إذا استطعتُ ترويض خجل كولين”، سأنجح حتمًا في كسب قلب السيد الصغير، أليس كذلك؟
وصلنا أخيرًا إلى نهاية الردهة المظلمة في الطابق الرابع من الجناح الملحق. طرقت ليسا الباب الضخم.
طق، طق.
مرت لحظات صمت ثقيل لم يقطعه أي صوت من الداخل.
“سيدي الصغير، سأدخل.”
أعلنت ليسا ذلك بلهجة قاطعة وفتحت الباب. كانت الغرفة غارقة في دياجير الظلام رغم أننا في وضح النهار. لم تشعل ليسا المصابيح، بل سارت مسترشدة بخيط الضوء المتسلل من الردهة، وتبعتهُا أنا بخطى حذرة.
“سيدي الصغير.”
نادت ليسا مرة أخرى، ولكن لا حياة لمن تنادي. هل خرج يا تُرى؟
في تلك اللحظة، اخترق الصمت صوت حاد جعل أذني تطنان:
“اخرجي!”
كان صوتًا خشنًا ومتحفزًا، كفحيح قط غاضب.
“لقد أحضرتُ الفتاة التي ستتولى خدمتك من الآن فصاعدًا.”
“قلتُ لكِ لا حاجة لي بهؤلاء!”
“الغرفة مظلمة جدًا، سأزيح الستائر.”
“ماذا؟ لا تفعلـ…”
وقبل أن يكمل كلمته، سحبت ليسا الستائر بقوة. وبينما كنتُ أغلق عينيّ هربًا من الضوء الساطع الذي اجتاح المكان فجأة….
فـيـوووه!
طار وسادة باتجاه وجهي. وبحركة لا إرادية، مددتُ يدي وتلقفتها ببراعة.
“آنسة ماري! هل أنتِ بخير؟”
أجبتُ ليزا بضحكة صافية:
“نعم، أنا بخير! التقاط وسادة ناعمة كهذه ليس بالأمر الصعب أبدًا!”
حين أنزلتُ الوسادة ببطء، رأيتُ ذلك “السيد الصغير” الذي رماني بها. كان يتكئ على سريره الضخم بوضعية متمردة، وعلامات الدهشة ترتسم على وجهه تمامًا كما فعلت ليسا. أما أنا، فقد تجمدتُ في مكاني وأنا أتفرس في ملامحه.
شعر بني فاتح متمرد، بشرة تبدو ناعمة كأنها رغيف خبز طازج، وعينان خضراوان كلون براعم الربيع.
‘كأنه أمير خرج للتو من صفحات الأساطير.’
لكن على الجانب الأيمن من وجهه، كانت تقبع تلك البقعة السوداء، تمامًا كتي كانت على وجه السيدة ريانه، تنساب فوق وجنته كأفعى ملتوية.
بدا أنه انزعج من نظراتي الطويلة، فعبس وجهه بحدة وصرخ:
“إلى ماذا تنظرين هكذا؟ أبعدي بصركِ!”
زمجر بغضب وبدأ يتلمس السرير وكأنه يبحث عن شيء ما.
“هل تبحث عن هذه؟”
رفعتُ الوسادة التي رماها قبل قليل.
“سأعيدها إليك، لكن لا ترمِها هذه المرة، أتفقنا؟”
ما إن اقتربتُ منه والوسادة بين يدي، حتى احمر وجهه غيظًا.
‘لماذا يبدو غاضبًا هكذا؟ ألم يكن يريد الوسادة؟’
في تلك اللحظة..
فـيـوووه!
طار شيء آخر نحوي، ولم يكن وسادة هذه المرة، بل كانت ساعة منبه كانت موضوعة على الطاولة الجانبية.
طـاخ!
أمسكتُ بالساعة بأمان مرة أخرى.
“يا سيدي الصغير، لا يجوز رمي الساعات! هذا خطر، وقد تتعطل أيضًا. ورغم أنه لا يجوز رمي الوسائد على الناس، إلا أنه إذا كنتَ مضطرًا للرمي…. فالوسادة أهون.”
تقدمتُ نحوه بخطوات ثابتة، وضعتُ الوسادة بجانبه وأعدتُ الساعة إلى مكانها الأصلي.
كان يراقبني بذهول، ثم صرخ بوجه عابس:
“أنتِ…. من أنتِ وماذا تريدين؟”
كان هذا هو السؤال الذي كنتُ أنتظره؛ فالانطباع الأول هو الأهم دائمًا.
ابتسمتُ له بإشراق وأجبت:
“مرحبًا بك يا سيدي الصغير. اسمي ماري، وأنا الخادمة التي ستتولى خدمتك من اليوم! أتمنى أن نصبح صديقين!”
Chapters
Comments
- 3 منذ ساعتين
- 2 منذ ساعتين
- 1 منذ 4 ساعات
- 0 - المُقدمة منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"