1
بدأت حكايتي مع سيدي الشاب منذ وطئت قدماي قصر عائلة هاميلتون كخادمة صغيرة، لم تتجاوز آنذاك ربيعها الرابع عشر.
***
“أبارك لكنّ اجتياز المقابلة الأولى بنجاح.”
صفقت رئيسة الخدم برقة، وقد رفعت شعرها الأبيض بتسريحة مرتبة وأنيقة.
من بين مئة متقدمة طمحنَ لنيل شرف العمل في دوقية هاميلتون، لم يقع الاختيار إلا على سبع فتيات فقط.. وكنتُ أنا واحدة من تلك الثلة المحظوظة.
سبع فتيات فقط..!
رغم أن المقابلة لم تكن سوى حديث عابر مع الوكيل، إلا أن المعايير كانت صارمة على ما يبدو. استرجعتُ في ذهني تفاصيل ذلك اللقاء، حين باغتني بسؤاله الأول عن أصلي:
— أنا ماري، ابنة الرابعة عشرة، جئتُ من قرية ميلرتون!
— ميلرتون؟ على حد علمي هي قرية نائية جداً.. ما الذي دفعكِ لقطع كل هذه المسافة وصولاً إلى هنا؟
— آه.. ذاك.. في الواقع.. الأمر يعود لظروف شخصية.
ابتسمتُ وقتها بارتباك لأتهرب من الإجابة، فالسؤال كان أصعب مما توقعت منذ البداية. ولحسن الحظ، لم يضغط الوكيل عليّ بل انتقل للسؤال التالي:
— حسناً، أخبريني.. ما الذي دفعكِ للتقدم للعمل لدى عائلة هاميلتون؟
— الدافع هو…. أن القصر يوفر المأكل والمسكن، ورواتبه هي الأعلى بين الجميع!
بدا أن صراحتي قد راقت له، إذ أومأ برأسه مبتسماً برضا.
— أشكركِ على صدقكِ. وختاماً، هل يمكنكِ إخباري بإيجاز عن طموحكِ الذي تأملين تحقيقه من خلال العمل هنا؟
— طموحي..؟ عذراً سيدي، فأنا لم ألتحق بالأكاديمية ولا أفقه كثيراً في الكلمات المنمقة.. ماذا تعني بكلمة طموح؟
— لا بأس.. الطموح هو خطتكِ للمستقبل، أو الآمال التي تودين بلوغها.
— آه! فهمت.. خطتي هي أن أدخر المال بجد لأشتري منزلاً، ثم أتزوج ممن أحب وأنجب أطفالاً صغاراً، لنبني معاً عائلة سعيدة.. هذا هو هدفي!
حين سمع الوكيل طموحي، أدار وجهه بعيداً وانطلقت منه ضحكة خافتة. لا أدري ما المضحك فيما قلت، لكن الأجواء ظلت إيجابية حتى النهاية، وها أنا اليوم قد تخطيت العقبة الأولى.
لم يتبقَّ أمامي سوى المقابلة الثانية لأصبح رسمياً فردًا من خدم هذا القصر العريق.
انتظرتُ كلمات رئيسة الخدم بقلبٍ يخفق أملاً.
“المقابلة النهائية ستكون مع السيدة ريانه شخصياً.”
‘السيدة ريانه؟ الدوقة بنفسها؟!’
صرختُ في أعماقي فزعاً.
ريانه هاميلتون؛ الدوقة التي فقدت زوجها في حادث مأساوي وانطوت على نفسها في هذا القصر.
قيل إنها كانت قبل رحيله زهرة المحافل الاجتماعية، لكنها منذ ذلك الحين اعتزلت العالم ولم تظهر وجهها لأحد قط.
وبسبب هذا الغموض، نبتت شائعات غريبة؛ البعض قال إن الحزن أفقدها عقلها، وآخرون زعموا أنها تحولت إلى “وحش” دموي.
‘كلا، مستحيل.. لو كانت وحشاً حقاً، كيف لها أن تقابل أحداً؟’
رغم تكذيبي للشائعات، إلا أن فكرة لقائها جعلت أوصالي ترتجف. من تكون السيدة ريانه حقاً؟ كان الفضول يصارع الخوف في صدري.
كان ترتيبي السابع.. الأخيرة في القائمة.
وبينما كنتُ أنتظر بوجل، دخلت المتقدمة الأولى مع رئيسة الخدم إلى غرفة السيدة. لم يمضِ وقت طويل حتى….
— آاااااااه!
اخترقت صرخة حادة جدران الردهة لتصل إلى مسامعنا.
‘ماذا حدث؟ لِمَ الصراخ؟’
تبادلنا النظرات المذعورة، وفجأة انفتح الباب وهرعت الفتاة الأولى خارجة كأنما يطاردها شبح. كانت فتاة تكبرني بعام أو عامين، لكنها كانت ترتجف هلعاً، وعيناها تفيضان بدموع الرعب.
جفّ ريقي من شدة التوتر. دخل المتقدم الثاني، وكان رجلاً ضخم البنية يبدو وكأنه لا يهاب شيئاً، ومع ذلك، ما إن دخل حتى سُمعت منه صرخة مكتومة. خرج بعدها وعلى وجهه ملامح الاستياء والاشمئزاز وهو يبرطم بكلمات نابية ثم انصرف.
ساد التوتر أرجاء الردهة، وغلف الغموض ما يحدث بالداخل. لم يحتمل اثنان من المتقدمين هذا الضغط، فانسحبا بوجوه شاحبة. وهكذا، جاء دوري أسرع مما توقعت، ولم تكن سرعة الوقت مدعاة للسرور هذه المرة.
‘تماسكي يا ماري! ليس هذا وقت القلق على الآخرين!’
صفعتُ وجنتيّ بخفة لأطرد الأفكار السوداء، وفي تلك اللحظة نادت رئيسة الخدم:
“آنسة ماري، تفضلي بالدخول.”
خطوتُ إلى الداخل بحذر، وما إن ولجت الغرفة حتى أفلتت مني شهقة إعجاب: “وااااو..”
كانت الغرفة فسيحة بشكل لا يصدق، تزدان بتحفٍ نادرة ولوحات ملونة ومزهريات مصقولة، تملأ جنباتها مكتبات ضخمة تعانق السقف.
وبينما كنتُ غارقة في تأمل الجمال من حولي، وضعت رئيسة الخدم يدها على كتفي بلطف.
“آنسة ماري.”
استعدتُ وعيي بسرعة: “آه، عذراً! الغرفة شاسعة جداً وبها أشياء جميلة….”
انحنيتُ باحترام وصحت بصوتٍ مرتفع من فرط التوتر:
“مرحباً! أنا المتقدمة ماري!”
تردد صدى صوتي في الغرفة، وشعرتُ بالخجل من نفسي. رفعتُ رأسي لأواجه شائعة الدوقة ريانه لأول مرة.
كانت ترتدي فستاناً أسود طويلاً، وقفازات من الدانتيل الأسود، وتغطي وجهها بوشاح (برقع) أسود كثيف. كانت تقف في منتصف الغرفة بوقارٍ مهيب، ثم أشارت لي بيدها.
‘هل تطلب مني الاقتراب؟”
“آه، حاضر!”
تقدمتُ بخطوات قصيرة وسريعة حتى وقفتُ أمامها. أشارت لي مجدداً، فاقتربتُ أكثر حتى كدتُ ألامس ثوبها. ظننتُ أنها ستسألني كما فعل الوكيل، لكنها….
“سيدة ريانه؟”
خلعت السيدة قفازها بصمت، لتكشف عن يدٍ مغطاة بقع سوداء غامضة، بدت وكأنها قطعة خبز تعلوها العفونة أو غصن شجرة ذابل.
رفعت تلك اليد، التي كانت خشنة كجذع شجرة عتيقة، ووضعتها على وجنتي. شعرتُ بملمسها الخشن كأنها ورق صنفرة يلامس جلدي، لكنها لم تكن مؤلمة.
‘لماذا تداعب وجنتي؟’
بقيتُ أنظر إليها ببراءة دون أن أفهم السبب.
“ألا تشعرين بالنفور؟”
انساب صوتٌ عذب ونقي من خلف الوشاح الأسود.
هززتُ رأسي فوراً.
“بل أخشى أنكِ أنتِ من تشعرين بعدم الراحة يا سيدتي، فأنتِ منحنية هكذا من أجلي.”
تمنيتُ لو كنتُ أطول قليلاً حتى لا أجهدها.
“آه.. هل أصعد فوق المكتب؟ هكذا ستتمكنين من لمس وجهي براحة أكبر!”
أشرتُ إلى المكتب المجاور. فقد تعلمتُ أن وظيفة الخادمة هي راحة سيدها، وأردتُ أن أسهل عليها الأمر!
لكن ردي قوبل بصمتٍ طويل جعلني أتوجس خيفة. ‘هل أخطأتُ في قولي؟’
وبينما كنتُ أهم بالاعتذار، رفعت السيدة ريانه الوشاح عن وجهها، لتكشف عن بقعٍ مماثلة تغطي ملامحها. نظرت إليّ بعينيها اللتين تشبهان بحيرة متجمدة في شتاءٍ قارس وسألت:
“ألا يخيفكِ وجهي؟”
أجبتُ دون تردد:
“كلا، لا يخيفني.. بل إنني..”
ترددتُ قليلاً خشية أن أبدو متجاوزة، ثم سألتُ برقة:
“أشعرُ أن هذا يؤلمكِ كثيراً…. هل أنتِ بخير؟”
اتسعت عيناها الفضيتان للحظة، ثم انحنتا برقة في ابتسامة غامضة.
“أنتِ أول من يوجه لي هذا السؤال.”
أعادت ارتداء قفازها ومسحت على شعري بحنان: “شكراً لكِ.”
لم أفهم لِمَ تشكرني، لكنني شعرتُ بدفءٍ يغمرني، وكأن أمي هي من تداعب شعري، فارتسمت على ثغري ابتسامة رقيقة.
“ليسا.”
نادت السيدة، فأجابت رئيسة الخدم الواقفة عند الباب: “أمركِ يا سيدتي.”
‘إذن اسمها ليسا….’
“أرسلي هذه الفتاة إلى الجناح الملحق.”
“ماذا؟” اتسعت عينا ليسا بذهول. “إلى الجناح الملحق؟ لكنها لا تزال..”
“لا بأس.. هذه الفتاة ستنجح بالتأكيد.”
تبادلت السيدة وليسا نظرات غامضة لم أفهم فحواها، لكن شيئاً واحداً كان واضحاً في ذهني.
‘يجب أن أبلي بلاءً حسناً لأثبت جدارتي كخادمة في بيت هاميلتون!’
Chapters
Comments
- 3 منذ 4 ساعات
- 2 منذ 4 ساعات
- 1 منذ 6 ساعات
- 0 - المُقدمة منذ 8 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"