نظر إليها كاسيان بنظرة فاحصة، وكأنه يحاول استعادة ذكرى عابرة مرت بخاطره بالأمس حين رآها.
لكنه سرعان ما استعاد بروده المهني ومد يده لمصافحتها:
“تشرفنا يا دكتورة إيفانجلين. لقد قرأتُ تقريركِ عن الحالة ، أسلوبكِ في التحليل متميز جداً.. ونادر.”
عندما تلامست يداهما ، شعرت إيفانجلين بصعقة كهربائية تسري في جسدها.
كانت هي ذات اليد الدافئة التي كانت تمسك يدها يوماً.
لكن قبضة يده الآن كانت “رسمية” و”محايدة”.
“شكراً لك”
أجابت وهي تحاول كبح غصتها ، ثم أضافت بذكاء وهي تنظر مباشرة في عينيه:
“هذا الأسلوب تعلمته من طبيب بارع جداً.. رحل منذ سنوات.”
لم تهتز شعرة في وجه كاسيان ، بل أومأ برأسه ببرود قائلاً:
“الخسارة في عالم الطب مؤلمة دائماً. هل ننتقل لمعاينة المريض ؟”
كانت بياتريس تراقب المشهد من نهاية الممر ، وعيناها تضيقان بحدة.
كانت تشعر بأن كيمياء غريبة بدأت تتشكل في الهواء..
وأن هذه الطبيبة العاصمية لا تنظر إلى خطيبها كزميل فحسب ، بل كأنها “تملكه”.
داخل غرفة المريض رقم 402 ، كان الجو مشحوناً بتركيز طبي عالٍ.
وقف كاسيان على جانب السرير وإيفانجلين على الجانب الآخر، وبينهما المريض الذي كان يعاني من إصابة معقدة في الصدر.
بدأ كاسيان بفحص الصور الإشعاعية القديمة (التي كانت تُرسم يدوياً أو تُعرض بآلات بدائية في ذلك العصر)
وقال وهو يعقد حاجبيه:
“الإصابة قريبة جداً من الشريان الأبهر، أي حركة خاطئة في المشرط تعني نهاية المريض. أفكر في شق جانبي ضيق…”
وقبل أن يكمل جملته ، قاطعته إيفانجلين بهدوء وثقة:
“ولكن إذا استخدمنا ‘تقنية الالتفاف الخلفي’ التي نتبعها هنا ، سنقلل الضغط على الرئة اليمنى ونضمن رؤية أوضح.”
توقف كاسيان عن الكلام.
رفع رأسه ونظر إليها بذهول صامت.
هذه التقنية كانت نادرة جداً ، ولم يكن يتقنها إلا قلة قليلة.
والأغرب من ذلك ، أنه شعر وكأن الكلمات خرجت من حنجرتها لتكمل فكرة كانت تدور في عقله هو..
كأنهما “عقل واحد” يعمل في جسدين.
“غريب..”
تمتم كاسيان وهو يعود للنظر إلى المريض.
،”كنت سأقترح ذات الأمر للتو. كيف عرفتِ أنني سأميل لهذا الحل ؟”
ابتسمت إيفانجلين ابتسامة باهتة، وقلبها يصرخ:
[لأننا ابتكرنا هذه الطريقة معاً في مكتبنا الصغير بالمنزل]
. لكنها قالت بوقار:
“ربما لأن العقول العظيمة تلتقي عند الحلول الصحيحة ، دكتور كاسيان.”
بدآ العمل معاً على فحص المريض.
كانت حركاتهما متناغمة لدرجة مرعبة ؛ حين يمد يده لطلب أداة فحص ، كانت هي تسبقه بوضعها في يده دون أن ينطق.
حين يصمت ليفكر ، كانت هي تعطي الممرضة التعليمات التي كان ينوي قولها.
شعر كاسيان بارتباك داخلي بدأ يزعزع ثباته.
رائحة عطرها ، طريقتها في الوقوف ، وحتى نبرة صوتها وهي تنطق المصطلحات الطبية..
كل شيء فيها كان يثير في عقله “ضجيجاً” غير مفهوم.
شعر بشيء يشبه “ديجا فو” يضربه بقوة، لكنه لم يستطع ربطه بأي ذكرى ملموسة.
فجأة ، وبحركة عفوية ، تعثرت يد إيفانجلين وهي تمسك بمصباح الفحص ، فوضع كاسيان يده بسرعة فوق يدها ليثبتها.
توقف الزمن في تلك اللحظة.
تلاقت أعينهما فوق سرير المريض. كانت أنفاسه قريبة منها لدرجة أنها استطاعت رؤية انعكاس انكسارها في عينيه.
في تلك اللحظة ، لم يكن هناك “بروفيسور هاملتون” ولا “بياتريس”.. كان هناك فقط كاسيان وإيفانجلين.
قطع هذا الاتصال الروحي دخول بياتريس المفاجئ للغرفة ، وهي تمسك ببعض الأوراق وتتحدث بصوت عالٍ:
“كاسيان ، والدي يطلبك فوراً لمناقشة..”
توقفت بياتريس عندما رأت قرب مسافتهما وأيديهما المتشابكة فوق يد المريض.
تلاشت ابتسامتها وحلت مكانها نظرة حادة كالسكين.
“يبدو أنكما منسجمان جداً في العمل”
قالتها بنبرة تقطر سماً وهي تقترب لتفصل بينهما بحضورها الطاغي.
تنحنح كاسيان وانسحب بهدوء، مصلحاً معطفه الطبي باضطراب لم يظهر عليه من قبل:
“الدكتورة إيفانجلين تمتلك مهارة استثنائية يا بياتريس. لقد انتهينا تقريباً.”
نظرت بياتريس إلى إيفانجلين بتحدٍ وقالت:
“يسعدني سماع ذلك. لكن دكتور كاسيان لا يعمل إلا وفق بروتوكولاتنا الخاصة التي تعلمها في الجنوب، أليس كذلك عزيزي ؟”
لم ترد إيفانجلين بكلمة ، بل اكتفت بالنظر إلى كاسيان وهو يغادر الغرفة مع بياتريس.
رأت تردده في خطوته الأخيرة عند الباب ، وكأنه يريد الالتفات خلفه لكنه لم يفعل.
في تلك الليلة ، كان الجناح المخصص للوفد في فندق العاصمة الكبير يغرق في هدوء فخم..
لكن عقل كاسيان كان يضج بضوضاء لا تهدأ.
جلس على شرفة غرفته ، يراقب أضواء العاصمة التي بدت له مألوفة بشكل مزعج.
وكأن الشوارع تعرف خطى قدميه أكثر مما يعرفها هو.
في يده ، كان يمسك بقدح قهوة بارد، وعيناه غائبتان في الأفق.
” لماذا ؟ “
همس لنفسه بضيق.
كان يحاول تحليل ما حدث في غرفة المريض رقم 402 بمنطق الجراح الصارم
لكن المنطق كان يخونه.
كيف عرفت تلك الطبيبة، إيفانجلين، ما كان سيفكر فيه قبل أن ينطق؟
لماذا شعر بأن يده التي لمست يدها لم تكن تلمس غريبة ، بل كانت تعود إلى مكانها الطبيعي ؟
أغمض عينيه بقوة ، فهاجمه شعور “الديجا فو” مرة أخرى.
أحس برائحة خشب الصندل — تلك الرائحة التي تملأ ممرات مستشفى العاصمة وكأنها تفتح أبواباً مغلقة في مؤخرة رأسه.
شعر بصداع طفيف يضغط على صدغيه ، وهو يحاول استرجاع أي شيء يسبق استيقاظه في مصحة الجنوب قبل أربع سنوات.
كل ما يتذكره هو وجه بياتريس المبتسم ، وصوت البروفيسور وهو يخبره:
“لقد نجوت بمعجزة يا بني “.
“إيفانجلين..”
نطق اسمها بصوت خافت جداً، وكأنه يتذوق الحروف.
شعر بأن الاسم له طعم الدموع والضحك في آن واحد.
لماذا يرتجف قلبه حين ينطق اسمها؟
ولماذا بدت عيناها اليوم وهي تنظر إليه وكأنها تعاتبه على ذنب لا يعرفه؟
التعليقات لهذا الفصل " 9"