خرجت إيفانجلين من المستشفى والكون في عينيها باهت..
كأن كل الألوان قد سُحبت منه فجأة.
كانت تسير بخطى ثقيلة نحو منزل مارثا ، وجسدها يتحرك بالآلية التي يفرضها الواجب.
بينما روحها لا تزال عالقة في ذلك الممر الرخامي..
حين أبصرت إيلودي تركض نحوها بضحكاتها الصافية ، شعرت بوجع في صدرها يفوق أي ألم عرفته.
احتضنتها بقوة، بقوة أكبر من المعتاد، كأنها تحاول التأكد من أن ابنتها حقيقة.
وليست سراباً مثل والدها الذي عاد من الموت غريباً.
كانت الحديقة تضج بالحياة، والأطفال يركضون ، ورائحة الياسمين تملأ الأجواء.
لكن إيفانجلين كانت تعيش في عالمٍ آخر.
جلست على مقعد خشبي تراقب إيلودي وهي تتأرجح على “أرجوحة الفراشات” التي حلمت بها.
كانت تشعر بالتمزق.
فمن جهة ، هناك فرحة عارمة بأن كاسيان حي ، يتنفس ، ويمشي على ذات الأرض.
ومن جهة أخرى، هناك طعنة النسيان ووجود تلك المرأة ، بياتريس ، التي تملك الآن كل ما كان حقاً لإيفانجلين.
كانت تنظر إلى يديها المرتجفتين.
هل تخبر العالم أنه زوجها ؟
أم أن القانون سيقف ضدها بعد أن صار “كاسيان” هوية جديدة لرجل جديد ؟
بينما كانت إيلودي تصرخ بفرح:
“أمي ، انظري ! أنا أطير كالفراشة!”
كانت إيفانجلين تحارب رغبة عارمة في البكاء.
كان من المفترض أن يكون هو من يدفع هذه الأرجوحة الآن.
كان من المفترض أن يشاركهما هذه اللحظة.
أخرجت إيفانجلين شطيرة الجبن المذابة التي وعدت بها ابنتها ، وناولتها لها بيدٍ مرتعشة.
نظرت إليها الصغيرة ببراءة وقالت:
“أمي.. لماذا عيناكِ حزينتان ؟ هل الفراشات لم تجد المسافرين بعد ؟”
ابتلعت إيفانجلين غصة مريرة ، ومسحت على شعر ابنتها قائلة بنبرة مكسورة:
“لا شيء حبيبتي.. أنا بخير.”
مع غياب الشمس ، وقفت إيفانجلين تمسك يد ابنتها وتنظر نحو أضواء العاصمة .
في أحد تلك الفنادق الفخمة ، يجلس زوجها الآن مع امرأة أخرى ، يخطط لمستقبل لا وجود لها فيه.
في تلك اللحظة ، تحول الحزن في عينيها إلى شيء آخر..
إلى إصرار هادئ..
لن تكون مجرد “طبيبة زميلة”، ولن تسمح لتلك الغريبة بأن تسرق زوجها أب ابنتها.
ستبدأ معركتها الصامتة لاستعادته، حتى لو اضطرت لحرق كل الجسور التي بناها في الجنوب.
في تلك الليلة ، بعد عودتها من الحديقة ونوم إيلودي ، لم تذهب إيفانجلين إلى سريرها.
بل جلست في مكتبها الفاخر، وأخرجت صندوقاً خشبياً قديماً من درج سري.
فتحته بيدين ترتجفان لتخرج منه “شهادة الوفاة” التي استلمتها قبل أربع سنوات، ووثيقة زواجهما الأصلية.
نظرت إلى اسم زوجها المكتوب بالحبر الجاف.
ثم تذكرت كيف قُدّم اليوم في القاعة بلقب عائلة البروفيسور:
“دكتور كاسيان هاملتون”.
أدركت إيفانجلين بمرارة مروعة أن الحقيقة وحدها لا تكفي في هذا العالم.
فمن الناحية القانونية ، زوجها “ميت”
وهذا الرجل الذي رأته اليوم هو مواطن من الجنوب.
يحمل أوراقاً ثبوتية جديدة ، وتاريخاً طبياً بدأ منذ أربع سنوات فقط.
ومدعوماً بنفوذ البروفيسور “هاملتون” الذي منحه اسمه وحياة جديدة.
“لقد سرقوا هويتك يا كاسيان..”
همست وهي تمسح دمعة سقطت على وثيقة الزواج.
“صنعوا منك رجلاً آخر ليضمنوا بقاءك مع ابنتهم. وإذا ذهبتُ الآن لأعلن الحقيقة ، سأبدو أمام المملكة مجرد أرملة مهووسة تطارد طبيباً مشهوراً يشبه فقيدها.”
كانت اللعبة ذكية وقاسية.
البروفيسور لم ينقذ حياته فحسب، بل “استحوذ” عليه.
وبياتريس لم تكن مجرد خطيبة ، بل كانت الحارسة على تلك الهوية الجديدة التي بُنيت على ركام ذاكرته المحطمة.
في صباح اليوم التالي ، دخلت إيفانجلين المستشفى الملكي وهي ترتدي درعها من القوة المزيفة.
توجهت مباشرة نحو جناح الجراحة، حيث كان من المقرر أن يبدأ الوفد الجنوبي معاينة الحالات الصعبة.
رأته من بعيد ، كان يقف في الممر يشرح لبعض الأطباء المقيمين تفاصيل حالة معقدة.
وعندما اقتربت ، صمت الجميع احتراماً لمكانتها كطبيبة أولى في المستشفى.
رفع كاسيان رأسه ، والتقت عيناه بعينيها.
هذه المرة ، لم تتراجع إيفانجلين.
وقفت أمامه بوقار وقالت بصوت ثابت:
“صباح الخير دكتور كاسيان. أنا الدكتورة إيفانجلين ، المسؤولة عن جناح الجراحة الصدرية هنا. قيل لي إننا سنشرف معاً على حالة المريض في الغرفة 402.”
التعليقات لهذا الفصل " 8"