كانت الممرات الرخامية للمستشفى الملكي في العاصمة تعجّ بالحركة
والممرضات يسرعن في خطى متواترة لتجهيز غرف المعاينة.
كانت إيفانجلين تسير وفي يدها ملف طبي ضخم ، تحاول جاهدة التركيز على أرقام ضغط الدم ونبضات القلب لمرضاها..
هرباً من القلق الغامض الذي كان ينهش صدرها منذ الصباح.
عند الزاوية المؤدية إلى قاعة المؤتمرات الكبرى ، توقفت فجأة لتعديل بعض الأوراق التي كادت تسقط منها.
وفي تلك اللحظة ، فُتحت الأبواب الخشبية الضخمة للقاعة.
وخرج منها وفد الأطباء القادمين من أقاليم الجنوب ، يتقدمهم المدير الطبي للعاصمة.
كان يسير في مقدمة الوفد الجنوبي رجلٌ طويل القامة ، يرتدي معطفاً طبياً فاخراً يبدو عليه أثر الرقي.
كان وجهه صارماً ، وعيناه مثبتتان على ملفٍ يحمله.
بينما كانت تسير بجانبه بياتريس ، ابنة البروفيسور المرموق في الجنوب
وهي تهمس له بكلمات بدت وكأنها تتعلق بجدول أعمالهم في العاصمة.
تصلبت قدما إيفانجلين في مكانهما.
سقط الملف من يدها ليرتطم بالأرض بقوة..
وتناثرت الأوراق البيضاء كأنها شظايا من ذاكرتها المحطمة التي ظنت أنها دفنتها مع جثمان زوجها الغائب.
لم تكن بحاجة لتدقيق النظر.
تلك القامة ، تلك الطريقة المحددة في رفع رأسه ، وحتى حركة يده وهو يصلح ساعته..
إنه هو..
زوجها ، حبيبها ، الرجل الذي غادر العاصمة نحو الجنوب قبل أربع سنوات ولم يعد منه إلا خبر وفاته.
“كاسيان…”
خرج الاسم من شفتيها همساً مخنوقاً، كأنه استغاثة غريق يرى طيف النجاة.
توقف الرجل عند سماع اسمه ، والتفت ببطء نحو مصدر الصوت.
وقعت عيناه عليها ، تلك العينان اللتان كانت تقسم إيفانجلين أنها ترى فيهما أمانها..
لكنهما الآن كانتا غريبتين ، خاليتين من أي ذرة اعتراف ، باردتين كشتاء الشمال.
تقدم كاسيان خطوة نحوها ، وبملامح مهذبة ولكن رسمية تماماً.
انحنى ليلتقط ورقة سقطت عند قدمه ، ثم مد يده بها نحوها قائلاً بنبرة رخيمة وجافة:
“أعتذر يا حضرة الطبيبة ، يبدو أن وفدنا قد تسبب في إزعاجكِ أثناء مرورنا.”
بقيت إيفانجلين شاخصة البصر، يدها معلقة في الهواء ، لم تستطع لمس الورقة ولا النطق بكلمة.
كانت تنظر إلى تلك الملامح التي لم تتغير، باحثة عن “كاسيان” الخاص بها ، عن نظرة الحب التي كانت تميزه
لكنها لم تجد سوى جراحٍ غريب يسألها الصمت ببروده.
قطعت بياتريس هذا الذهول وهي تضع يدها بتملك على ذراعه ، قائلة بابتسامة متكلفة:
“كاسيان عزيزي ، والدي البروفيسور بانتظارنا في مكتب الإدارة. هل هناك مشكلة ؟”
نظر كاسيان إلى خطيبته بهدوء ثم عاد بنظره إلى إيفانجلين ، وقال بنبرة تفتقر لأي مشاعر:
“لا شيء ، مجرد سوء تفاهم بسيط. هل أنتِ بخير يا سيدة..؟”
“سيدة ؟”..
الكلمة وقعت على مسامعها كحد السيف.
الرجل الذي كانت تنام وتستيقظ على صوته يناديها باسمها، يسألها الآن عن هويتها.
لقد عاد من الجنوب حياً ، لكنه عاد بقلبٍ جديد لا يسكنه سوى النسيان.
التعليقات لهذا الفصل " 6"