جاء اليوم الموعود تحت غمام رمادي يلف العاصمة.
لكن داخل الفيلا كانت النيران تشتعل قلقاً.
بدأت آلام المخاض تهاجم إيفا بقوة، فتبدلت ملامحها الهادئة إلى شحوب يقطعه الأنين.
كانت هيلين تركض حولها بقلب أمّ لم تلدها ، تمسح عرقها بآيادٍ ترتجف وتهس في أذنها:
«صموداً يا ابنتي.. صموداً يا حبيبة قلبي ، أنا معكِ.»
كانت تنظر إلى إيفانجلين ليس كزوجة ابنها.
بل كقطعة من روحها خافت عليها من نسمة الهواء.
أما كاسيان ، فكانت ملامحه صارمة كأنه في أصعب جراحاته.
لكن عينيه كانتا تفضحان رعباً دفيناً ؛ البروفيسور الذي أنقذ المئات، وقف عاجزاً أمام تألم إمراته .
ساد الصمت الموحش في ردهة المشفى.
لم يقطعه إلا صرخات إيفانجلين المكتومة التي كانت تمزق قلب إيلودي.
كانت الصغيرة منكمشة في حضن جدها ، تخفي وجهها في معطفه وتبكي بصمت مرير.
كل صرخة من والدتها كانت تدفعها للارتجاف أكثر.
وفجأة.. انقطع كل صوت.
ساد صمتٌ ثقيل لثوانٍ بدت كالأبد ، ثم شقّ هدوء المشفى صوتٌ رفيع ، حاد ، ونقي ..
بكاء المولود.
في تلك اللحظة ، تحجر كاسيان في مكانه.
سقطت حصونه تماماً ، ونزلت دموع حارة من عينيه ، دموع لم تكن للخوف ، بل كانت صرخة حياة جديدة.
هرعت إليه والدته و عانقته وهي تنتحب فرحاً:
«مبارك يا حبيبي.. مبارك يا كاسيان ، لقد أصبحت أباً لطفل ثاني !»
ربت آرثر على كتف ابنه بعينين دامعتين وفخرٍ صامت.
بينما كانت ايلودي قد رفعت رأسها فجأة عن حضن جدها.
توقفت دموعها وهي تسمع ذلك الصوت الصغير.
نظرت إلى والدها بذهول وقالت بصوت طفولي مهتز:
«أبي.. هل هذا صوت “ليو”؟ هل توقفت أمي عن الألم؟»
دلفوا جميعاً إلى الغرفة التي كانت تفوح منها رائحة السكينة والانتصار.
كانت إيفانجلين مستلقية كملكة متوجة بالتعب.
ووجهها الشاحب . اقتربت هيلين وحملت الصغير الذي كان ملفوفاً بقماش ناصع.
ووضعته برفق في حضن إيفانجلين.
«انظري يا إيفا.. إنه نسخة مصغرة من كاسيان ، كأنه هو في يومه الأول.»
انحنى كاسيان وقبّل جبين إيفانجلين طويلاً.
ثم نظر إلى طفله الذي كان يملك نفس ملامح عينيه الحادة ولكن بنقاء الملائكي.
ساد الصمت للحظات ، حتى قطعه آرثر بمزاحه الوقور:
«حسناً ، بما أنه يشبه والده تماماً ، فمن العدل أن أختار له اسماً يليق بوسامته .. ما رأيكم بأسماء العائلة القديمة ؟»
تعالت الأصوات بمزاح خفيف ؛ هيلين تقترح أسماءً كلاسيكية.
و كاسيان يريد اسماً له هيبة ، بينما كانت إيفانجلين تبتسم للجميع بصمت.
فجأة ، لفتت ايلودي الأنظار وهي تقفز فرحاً حول السرير.
ثم توقفت وأمسكت بإصبع الصغير الذي أطبق يده الصغيرة عليها.
«لقد اتفقنا ! اسمه ليو.. انظروا كيف يمسك إصبعي ، إنه يوافقني الرأي!»
ضحك الجميع بتوحد ، وقال كاسيان وهو ينظر لزوجته:
«يبدو أن “الآنسة ايلودي ” قد فرضت كلمتها ، وسيكون ليو هو فارسنا الجديد.»
انتهى اليوم والجميع ملتفون حول السرير في لوحة عائلية لم تكن إيفانجلين تحلم بها حتى في خيالها.
مالت برأسها على صدر كاسيان ، وهو يحيطها بذراعه ويحمل ايلودي بالذراع الأخرى..
بينما يراقبون ليو وهو يغط في نومه الأول.
لم تكن مجرد نهاية قصة ، بل كانت بداية زمن جديد..
زمنٌ لا مكان فيه للظلال أو الغدر.
لقد زرعوا الحب في أرض الجراح ، فأنبتت عائلةً حصينة..
تـمـت.
التعليقات لهذا الفصل " 39"