أشرقت شمس ذلك الصباح محملة بصخب غير معتاد أمام باب الفيلا.
استيقظ كاسيان على صوت جلبة العربات.
ليجد والده “آرثر” ووالدته “هيلين” قد وصلا في وقت أبكر مما توقع.
و معهم أسطول من العربات المحملة بالصناديق والمغلفات الملونة.
وقف كاسيان على أعتاب الباب، واضعاً يده في جيبه وهو ينظر بذهول إلى العمال الذين يفرغون العربات.
ثم التفت إلى والدته التي كانت تشرف على العملية بحماس شابّة في العشرين.
مازحها كاسيان:
«أمي.. هل قررتِ افتتاح فرع للمتجر هنا ؟ هل تظنين أن طفلي سيبقى في نفس العمر للأبد ؟ الملابس تكفي لجيل كامل!»
ضحكت هيلين وهي تعدل قبعتها ، ثم اقتربت منه لتقبله على وجنتيه قائلة:
«لا تكن ساذجاً يا كاسيان ! لقد اشتريت ملابس تبدأ من عمر يوم واحد وحتى سنتين. هل تريد لحفيدي أن يرتدي نفس القميص كل يوم ؟ لقد اخترتُ أجود أنواع الكتان والحرير.»
بينما كان آرثر يراقب المشهد بابتسامة هادئة.
خرجت إيفانجلين من الباب ببطء شديد، تسند ظهرها بيدها وتمشي بخطوات تشبه سلحفاة صغيرة متعبة.
ما إن رأتها هيلين حتى هرعت إليها وعانقتها بحنو:
«يا عزيزتي إيفا ! لا تتحركي ، كان يجب أن تبقي مستلقية. تبدين جميلة رغم هذا التعب.»
إيفانجلين بابتسامة عذبة:
«أهلاً بكِ يا أمي.. أهلاً أبي ، لقد أنار المنزل بوجودكما.»
رد آرثر بوقار وهو يصافحها برقة:
«أهلاً يا ابنتي. المهم الآن هو صحتكِ وصحة هذا الضيف الصغير.»
في الحديقة، كانت إيلودي قد وجدت ملاذها فوق الأرجوحة الخشبية.
وقف جدها آرثر خلفها ، يدفع الأرجوحة بلمسات خفيفة جداً وحذر مبالغ فيه.
وهو يراقب ضحكاتها التي كانت تعلو مع كل حركة.
إيلودي بصخب:
«جدي ! أسرع قليلاً ، أريد أن ألمس أوراق الشجر !»
« رويداً يا صغيرتي ، لا نريد لزهرتنا أن تسقط قبل أن تحتفل بقدوم شقيقها.»
مع حلول المساء ، أصرت هيلين على دخول المطبخ بنفسها، ورفضت أي مساعدة.
أعدت مائدة عشاء ملكية ؛ تفوح منها روائح التوابل الزكية.
من الحساء الساخن إلى المشويات وأطباق الحلويات التي تشتهر بها العائلة.
اجتمع الجميع حول الطاولة الكبيرة التي تزينت بالشموع والزهور.
جلس كاسيان بجانب إيفانجلين، يقطع لها الطعام باهتمام ويضعه في طبقها.
بينما كانت إيلودي تجلس بين جديها، تقص عليهما بطولاتها في المدرسة.
هيلين و هي تنظر للجميع بسعادة:
«هذه هي اللحظة التي كنتُ أحلم بها.. أن نجتمع جميعاً تحت سقف واحد ، والقلوب صافية.»
رد كاسيان و هو يرفع كأسه:
« و الفضل يعود للمرأة التي بجانبي، التي علمتني أن البيت ليس جدراناً، بل هو الأمان الذي نشعر به الآن.»
خجلت إيفانجلين ووضعت يدها فوق يد كاسيان قائلة:
«بل الفضل لوجودكم جميعاً حولي. لم أكن أعلم أن العائلة يمكن أن تكون بهذا الدفء.»
تخلل العشاء مزاح كاسيان مع والده حول من سيكون “الجد المفضل”.
و ضحكات هيلين وهي تخطط لتربية الحفيد الجديد على طريقتها الخاصة.
وسط اعتراضات كاسيان المضحكة بصفته “الطبيب المسؤول”.
بعد انتهاء السهرة ، بدأ التعب يظهر على ملامح إيفانجلين.
وقف كاسيان وأمسك بساعدها ليسندها ، والتفت لوالديه:
« أظن أن ايفا تحتاج للراحة الآن، والسلحفاة يجب أن تأوي إلى قوقعتها.»
ضحكت إيفانجلين برقة.
ساد الصمت الجميل أرجاء الفيلا، وفي غرفتهم.
ساعد كاسيان إيفانجلين على الاستلقاء ، وغطاها بعناية ، ثم همس بجانب أذنها قبل أن يغمض عينيه:
« هل تشعرين بهذا الهدوء يا حبيبتي ؟ هذا هو صوت السعادة الذي استعدناه.. تصبحين على حب.»
ردت عليه بصوت خافت يملؤه السكون:
«وأنت من أهله يا كاسي .. شكراً لأنك جعلت هذا الحلم حقيقة.»
وبهذا انتهى اليوم الجميل بانتظار فجر جديد قد يحمل معه صرخة المولود الجديد.
التعليقات لهذا الفصل " 38"