تحتسي شاي الأعشاب الذي أعدته لها “مارثا” لتهدئة غثيان الصباح.
كانت مارثا تجلس بجانبها ، تطوي بعض ملابس إيلودي الصغيرة
وتتبادلان أطراف الحديث عن الحمل موعد الولادة.
فجأة، قطع سكونهما صوت طرقات على الباب الخارجي بضربات متتالية وعنيفة.
تبادلت الصديقتان نظرة قلقة.
«سأرى من هذا الذي يطرق الباب وكأنه يملكه!»
قالت مارثا وهي تنهض بحزم.
فتحت مارثا الباب ، لتجد أمامها العم “سيلفان” وزوجته “بريسكا”.
لم تنتظر بريسكا دعوة للدخول ، بل دفعت الباب بكتفها ودخلت
و هي تتأمل الثريا الكريستالية المتدلية من السقف بوقاحة.
«أين هي “الطبيبة العظيمة”؟»
صاح سيلفان وهو يدخل برائحة عطره الخانق الذي لوث هواء الفيلا النقي.
خرجت إيفانجلين من غرفة المعيشة، ووقفت في الردهة.
شحب وجهها فور رؤيتهما ، وشعرت برعشة قديمة تسري في أطرافها
لكنها وضعت يدها على بطنها، واستمدت القوة من النبض الذي بداخلها.
«عمي سيلفان ؟ السيدة بريسكا ؟ كيف تجرأتما على القدوم إلى هنا؟»
قالت إيفانجلين بنبرة حاولت جعلها صلبة.
تقدمت بريسكا منها، وعيناها تجوسان في أثاث المنزل:
«انظر يا سيلفان ! الرخام ، السجاد الحريري.. ونحن نعيش في شقة تضيق بأنفاسنا! يبدو أن “الاستثمار” الذي وضعناه فيكِ يا إيفانجلين قد أثمر ذهباً، لكنكِ نسيتِ من أطعمكِ حين كنتِ يتيمة.»
مارثا ، التي كانت تقف خلف إيفانجلين كدرع حصين ، تدخلت بحدة:
«لقد دفعت لكم إيفانجلين أكثر مما تستحقون لسنوات ! اخرجوا من هنا قبل أن أتصل بالشرطة.»
ضحك سيلفان بسخرية:
«شرطة ؟ هل ستتصلين بالشرطة لعمها ؟ نحن جئنا لنأخذ “حقنا الطبيعي”. سمعنا أن زوجكِ عاد ، وأن أمواله لا تأكلها النيران. نريد مبلغاً يكفينا لنعيش ما تبقى من عمرنا في رغد، وإلا..»
اقترب سيلفان من إيفانجلين ، وهبط بصوته إلى فحيح:
«و إلا سنخبر الجميع في العاصمة كيف وصلتِ لهذه المكانة. سنقول إنكِ سرقتِ أموالنا لتعيشي هذه الرفاهية، وسنشوه سمعة زوجكِ “العائد من الموت”. هل تظنين أن الصحافة ستفوت قصة كهذه؟»
شعرت إيفانجلين بضيق في تنفسها
ورائحة الزيتون والبرتقال التي تناولتها فجراً بدأت تسبب لها الغثيان مجدداً.
لكنها لم تنكسر..
نظرت في عيني عمها مباشرة.
«لقد سددتُ لكم “دين التربية” أضعافاً مضاعفة منذ اللحظة التي تخرجتُ فيها.»
قالت إيفانجلين بصوت يرتجف من الغضب.
«كنتُ أرسل لكم نصف راتبي وأنا بالكاد أجد ما آكله. لم تكونوا عائلة، كنت ترى في ابنة أخيك مجرد صراف آلي.»
صرخت بريسكا:
«لولا جدران منزلنا لما أصبحتِ طبيبة ! أنتِ مدينة لنا بحياتكِ!»
في هذه اللحظة ، شعرت إيفانجلين بقوة غريبة.
تذكرت كل الليالي التي بكت فيها وحيدة ، وكل المرات التي سرقوا فيها مدخراتها الصغيرة.
«انتهى الأمر!»
صرخت إيفانجلين، وهي تشير نحو الباب بيمينها.
«لن تأخذا قرشاً واحداً بعد اليوم. اذهبا للصحافة، اذهبا إن اردتما ! زوجي ليس رجلاً عادياً يمكنكما تهديده، وأنا لستُ تلك الفتاة اليتيمة الخائفة. مارثا، افتحي الباب واسعي خلفهما، وإذا لم يخرجا، فليتحملا العواقب.»
مارثا تقدمت بخطوات واثقة ، وفتحت الباب على مصراعيه:
«هيا، ارحلا قبل أن يأتِي البروفيسور كاسيان ويحولكما إلى “عينة طبية” ! أنتما لا تعرفان مع من تعبثان.»
نظر سيلفان إلى إيفانجلين بحقد، وقال وهو يتراجع نحو الباب:
«لن ينتهي الأمر هنا يا إيفانجلين. سنعود ، وعندها لن يكون الكلام بهذه اللطافة.»
خرجا وهما يتمتمان بشتائم ، بينما أغلقت مارثا الباب خلفهما بقوة كادت تكسر زجاجه.
التفتت مارثا إلى إيفانجلين فوراً، ووجدتها قد انهارت على المقعد، تنفد أنفاسها بصعوبة.
« إيفا ! عزيزتي ، تنفسي هدوءاً.. لقد رحلا»
قالت مارثا وهي تمسك بيدها الباردة.
همست إيفانجلين وهي تمسح دمعة فرت من عينها:
«مارثا.. لا تخبري كاسيان بما حدث الآن. لا أريده أن يحمل هماً جديداً. يكفيه ما يواجهه في المستشفى.»
نظرت إليها مارثا بشفقة وحزم:
«سأفعل ما تريدين ، لكن هؤلاء الأفاعي لن يتركوا فريستهم بسهولة. علينا أن نكون حذرتين.»
التعليقات لهذا الفصل " 32"