لم يكن ضوء الفجر قد اكتمل بعد، لكن “ساعة كاسيان البيولوجية” التي اعتادت ترقب أنات المرضى.
استيقظت على صوت حركة خفيفة بجانبه.
كانت إيفانجلين قد اعتدلت في فراشها.
ملامحها الشاحبة في ضوء الغبش توحي بمعركة صامتة مع الغثيان.
اعتدل كاسيان فوراً ، ومد يده يمسح على ظهرها بحنو:
« إيفي.. هل عاد الشعور المزعج مجدداً ؟»
أجابت بصوتٍ واهن وهي تحاول كتم أنفاسها:
«كاسي .. رائحة الصابون في الحمام.. أشعر وكأنها تملأ الغرفة وتخنقني. والأسوأ.. أنني أشعر بجوع غريب لشيء لا أظنه موجوداً في مطبخنا الآن.»
ابتسم كاسيان وهو يزيح خصلة شعر تمردت على وجهها:
« قولي ما تشتهين ، وسأخترعه لكِ إن لزم الأمر. هل هو كعك القرفة ؟ أم تفاح أخضر؟»
هزت رأسها نفياً وقالت بتردد:
«أريد.. أريد زيتوناً أسوداً مالحاً، ومعه شرائح من البرتقال الحامض. أعلم أن المزيج يبدو مقززاً، لكنني أشعر بمرارة في حلقي لن يكسرها غير هذا.»
نزل كاسيان الدرج بخطوات سريعة، مدفوعاً برغبة عارمة في تدليل هذه المرأة التي تحمل طفلهما.
في المطبخ الواسع ، بدأ يفتح الخزائن بهدوء كي لا يوقظ إيلودي.
أخرج طبقاً صغيراً ، وبدأ يقطع البرتقال بدقة جراحية، ويصف الزيتون بجانبه.
وبينما هو غارق في عمله، أحس بوقع أقدام صغيرة خلفه.
«أبي ؟ هل لوسي مريضة وتحتاج لعملية في المطبخ ؟»
التفت كاسيان ليجد إيلودي تقف بقميص نومها الوردي ، تمسح عينيها بيد وتجر دميتها باليد الأخرى.
ضحك كاسيان وحملها ليضعها فوق المنضدة الرخامية الباردة:
«لا يا أميرة.. لوسي بخير. لكن “أخاكِ الصغير” قرر أن يطلب وجبة غريبة في الرابعة فجراً، وأنا أحاول إقناعه بالانتظار حتى الشروق.»
إيلودي بجدية:
«هل يحب البرتقال ؟ أنا أحب البرتقال أيضاً! هل يمكنني أن آخذ قطعة؟»
كاسيان وهو يضع قطعة في فمها الصغير:
«بالطبع.. لكن قولي لي ، هل تعتقدين أن أمكِ ستحب هذا المزيج ؟»
إيلودي وهي تمضغ بصعوبة:
«إنه حامض جداً يا أبي ! يبدو أن أخي سيكون شقياً !»
صعد كاسيان وإيلودي التي أصرت على حمل المنديل.
دخل الغرفة ليجد إيفانجلين قد استندت إلى الوسائد ، وعيناها مغمضتان من التعب.
«تفضلي يا سيدتي.. طلبكِ المستحيل وصل»
قال كاسيان وهو يضع الطبق أمامها.
تناولت إيفانجلين شريحة البرتقال مع الزيتون ، وما إن تذوقتها حتى تهللت أساريرها وكأنها استعادت روحها.
نظرت إلى كاسيان بامتنان وقالت:
«شكراً لك.. لا أعرف كيف تتحمل جنوني في هذه الأشهر الأولى.»
جلس كاسيان بجانبها ، وأخذ يدها يقبلها:
«جنونكِ هو أجمل ما أسمعه و أراه كل صباح. أتذكرين حين كنتُ في “فاقد للذاكرة “؟ لم أكن أشعر بشيء.. لا جوع ، لا تعب ، لا حب. الآن ، حتى تعبكِ هذا يشعرني بأنني حيّ، وأنني أملك عائلة حقيقية.»
قاطعتهم إيلودي وهي تقفز فوق السرير بينهما:
«و أنا ؟ هل سأحصل على مكافأة لأنني ساعدت أبي في تذوق البرتقال؟»
ضحك كاسيان وجذبهما معاً في حضنه:
«أنتِ ستحصلين على أكبر حضن .»
بعد ساعة ، كان الضوء قد انتشر في الأرجاء.
بدأ كاسيان يرتدي قميصه استعداداً للمستشفى.
بينما كانت إيفانجلين تحاول النهوض بصعوبة لتجهيز إيلودي للمدرسة.
« إيفي، ابقي في السرير!»
قالها بنبرة آمرة وحانية في آن واحد.
ردت بمزاح:
«بروفيسور كاسيان ، أنا حامل ولستُ مريضة!»
اقترب منها ، ووضع يديه على كتفيها بجدية:
«أعلم.. لكن قلبي لا يحتمل رؤيتكِ ترهقين نفسكِ. سأقوم أنا بتجهيز إيلودي ، لا أريد نقاشاً في هذا، الطبيب قرر والزوج أمر!»
ابتسمت إيفانجلين واستسلمت لدفء حضنه ، هامسةً:
«موافقة.. طالما أنك ستعدني بألا تجري أي جراحة معقدة اليوم وأنت تفكر في الزيتون والبرتقال!»
خرج كاسيان من الغرفة وهو يضحك، ممسكاً بيد إيلودي ، تاركاً خلفه رائحة الياسمين وصوت ضحكات زوجته.
شاعراً أن “الوحم” وتفاصيله المزعجة هي في الحقيقة أعظم نعم الخالق عليه.
بينما كان صدى محرك سيارة كاسيان يتلاشى في نهاية الشارع ، ساد الفيلا هدوءٌ ناعم.
يقطعه فقط زقزقة العصافير في الحديقة الخلفية وتكتكة ساعة الحائط الخشبية.
عادت إيفانجلين إلى الداخل، وأغلقت الباب خلفها ببطء ، مستمتعةً بلحظة السكينة الصباحية.
تنفست بعمق ، لكن سرعان ما عادت إليها تلك “الدوخة” الخفيفة التي ترافق أشهرها الأولى.
اتجهت نحو المطبخ الواسع ، حيث كانت أشعة الشمس ترسم خطوطاً بيضاء على الأرضية الرخامية.
لم تكن تشتهي القهوة التي ترك كاسيان رائحتها تملأ الأجواء، بل كانت تبحث عن شيء يهدئ تمرد معدتها.
فتحت الخزانة ، وأخرجت برطماناً صغيراً من “البسكويت المملح”.
الذي وضعه كاسيان خصيصاً لها في متناول يدها.
أخذت قطعة ، وقضمتها ببطء وهي تستند إلى المنضدة ، هامسةً لنفسها بابتسامة:
« يبدو أن الصغير اليوم لا يريد سوى الملح.. تماماً مثل والده حين يكون جاداً.»
لم تكن إيفانجلين تحب الجلوس دون حراك.
بدأت تتجول في أرجاء الفيلا ، تجمع ألعاب إيلودي المتناثرة هنا وهناك.
انحنت بصعوبة طفيفة لتلتقط دمية “لوسي” التي نسيتها ابنتها تحت الأريكة.
نظرت إلى الدمية وضحكت:
«لقد نسيتكِ إيلودي اليوم يا لوسي.. يبدو أن حماس المدرسة أنساها رفيقتها.»
وضعت الدمية بعناية على طاولة جانبية، ثم توجهت نحو “المكتبة الصغيرة”.
هناك ، وجدت معطف كاسيان المنزلي ملقىً على الكرسي.
أمسكت به ، ورفعته إلى وجهها لتستنشق عطره.
أغمضت عينيها لثانية ، وكأنها تستمد منه القوة لبقية اليوم.
جلست إيفانجلين في ركنها المفضل بالشرفة المطلة على الحديقة.
وأخرجت دفتر يومياتها الجلدي.
فتحت صفحة جديدة ، وبدأت تكتب بريشة أنيقة:
“عزيزي الصغير.. اليوم هو صباحٌ آخر من أيامنا في العاصمة. والدك خرج قلقاً كعادته، يوصيني ألا أتحرك، وألا أرهق نفسي، وألا أتنفس بقوة ربما! وإيلودي ذهبت وهي تخطط كيف ستعلمك المشي. أنت الآن مجرد نبضٍ خفي، لكنك تملأ هذه الجدران بضجيج من نوع آخر.. ضجيج الأمل الذي كدنا نفقده.”
قطع خلوتها دخول “مارثا”، صديقتها الوفية.
وهي تحمل باقة من الياسمين الطازج من حديقة منزلها.
« إيفا ، كاسيان اتصل بي قبل عشر دقائق.. سألني إن كنتِ قد تناولتِ كوب الزنجبيل الدافئ أم لا!»
قالت مارثا بضحكة خفيفة.
ضحكت إيفانجلين وهزت رأسها:
«ذلك الرجل سيفقد صوابه من القلق يا مارثا.»
وضعت مارثا الزهور في فازة بجانب إيفانجلين ، وقالت بحنان:
«إنه يحبكِ يا إيفا .. الرجل الذي يرى الموت يومياً في مشفاه، يقدس الحياة التي يراها في وجهكِ.»
بعد أن شربت كوب الزنجبيل، شعرت إيفانجلين ببعض الاسترخاء.
استلقت على الأريكة ، ووضعت يدها على بطنها، وراقبت أوراق الأشجار وهي تتمايل في الخارج.
التعليقات لهذا الفصل " 31"