كانت السيارة السوداء الطويلة تشق طريقها عبر المنعطفات الساحلية
وصوت محركها الرتيب يطغى على صوت أمواج البحر المتلاطمة بالأسفل.
كان كاسيان يجلس في المقعد الأمامي بجانب السائق.
يسند رأسه إلى الزجاج البارد، يراقب انعكاس وجهه..
الذي بدأ يستعيد ملامحه الإنسانية
بعيداً عن أضواء المستشفى الباردة.
أريان كان يمسك المقود بقبضة حازمة ، وعيناه تراقب الطريق بتركيز.
لكنه كان يختلس النظر إلى كاسيان بين الحين والآخر، شاعراً بثقل اللحظة..
عندما دخلت السيارة ساحة القصر الساحلي ، أضاءت مصابيحها الأمامية القوية واجهة المبنى الحجري.
توقف المحرك فجأة ، ليعود السكون بصمتٍ مدوٍ.
لم يكد كاسيان يفتح باب السيارة حتى فُتح باب القصر الكبير.
كانت هيلين والدة كاسيان تقف هناك
وما إن رأت ظله يخرج من باب السيارة حتى تعثرت خطواتها وهي تركض نحوه.
ارتمت في حضنه ، وانفجرت في بكاء مرير هزّ كيان كاسيان.
كانت يداها ترتعشان وهي تمسح على معطفه ، تصرخ بصوت مخنوق:
” بني.. كاسيان.. لقد عاد قلبي إلى صدري يا حبيبي !”
أما والده، فقد اقترب بخطوات ثقيلة، ذلك الرجل الوقور الذي لم تهزه عواصف المِحن.
وقف أمام ابنه والدموع تفر من عينيه رغم محاولته اليائسة لمسحها بمنديله.
لم يحتمل القوة أكثر، فجذب كاسيان إلى صدره في عناق أبوي صلب
وكأنه يغلق عليه أبواب العالم لكي لا يسرقه أحد مرة أخرى.
فجأة ، انشق صمت اللقاء بصوت ركضٍ صغير على الحصى.
كانت إيلودي..
تركض كفراشة هربت من الضوء نحو والدها.
لم تتردد ، بل قفزت ليرفعها كاسيان بين ذراعيه بقوة.
” أبي ! لقد علمتُ أن السيارة ستأتي بك ! لقد ربطتُ الخيط الأزرق في ذلك الغصن أيضاً !”
دفن كاسيان وجهه في عنق ابنته، مستنشقاً رائحة الطفولة والياسمين التي جفت في ذاكرته لسنوات.
و شعر لأول مرة أن “الآلة” التي أرادها هاملتون قد تحطمت تماماً، وحلّ محلها ” الأب”.
وعلى بعد خطوات ، كانت تقف إيفانجلين.
عيناها تحكيان قصص الانتظار الطويل ، والدموع التي جفت على صفحات دفترها.
لم يتحرك كاسيان ، بل مد يده إليها وهو لا يزال يحتضن إيلودي.
عندما ارتمت في حضنه، شعر كاسيان بأن العالم قد اكتمل أخيراً.
كان عناقهما هو الصرخة الصامتة ضد كل ما فعله هاملتون.
كان إعلاناً أن الحب لا يمكن “ترويضه” أو “محوه”.
خلف مقود السيارة ، لم يترجل أريان فوراً.
ظل جالساً يراقب المشهد من خلف الزجاج الأمامي.
رأى العائلة التي اجتمعت بعد تشتت، ورأى كاسيان الذي عاد من الموت.
شعر أريان بغصة في حلقه ، ولم يستطع منع دموعه من الانحدار على وجنتيه.
مسحها بسرعة وهو يبتسم بصدق، هامساً لنفسه:
” لقد عدتَ حراً يا كاسيان .”
بينما كان الجميع يدخلون القصر، التفت كاسيان للمرة الأخيرة إلى السيارة ، ثم إلى البحر..
و شعر أن كابوس هاملتون قد غرق في تلك الأمواج للأبد.
التعليقات لهذا الفصل " 28"