كان البروفيسور هاملتون يجلس في مكتبه الفاخر بالجناح الجنوبي للفندق.
يرتشف قهوته ببطء أمام مدفأة مشتعلة.
لم يكن يقرأ ، بل كان يستمتع بصمت المكان ، وهو الصمت الذي يسبق دائماً انتصاراته الكبرى.
وضع فنجانه جانباً وفتح صندوقاً خشبياً صغيراً مبطناً بالمخمل.
و أخرج منه “مشرطاً” جراحياً قديماً، مشرطاً لم يستخدمه منذ سنوات
لكنه كان الأداة التي انقذت معجزته الحالية ” كاسيان.”
أسند هاملتون رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه.
مسترجعاً تلك الليلة الممطرة قبل أربع سنوات على حدود الجنوب.
عندما وجد ذلك الجسد المحطم ، لم يرَ “إنساناً” يحتضر.
بل رأى “فرصة” لم تتكرر.
كان كاسيان وقتها جراحاً صاعداً بدأت أخبار عبقريته تصل للجنوب
مهارة يدوية لا يملكها هاملتون الذي بدأت الرعشة الطفيفة تغزو أصابعه بفعل التقدم في السن.
لقد كان تفكير هاملتون بارداً:
“لماذا أتركه يموت ، بينما يمكنني امتلاك يديه ؟”.
لم يكن إنقاذ كاسيان عملاً إنسانياً ، بل كان عملية استحواذ.
لقد أدرك هاملتون أن إصابة كاسيان في رأسه منحتْه “لوحة بيضاء”.
بمشرطه الدقيق ، لم يكتفِ هاملتون بإزالة الشظايا ، بل تعمد لمس مناطق معينة في الفص الصدغي.
مناطق مسؤولة عن ربط الصور بالعواطف.
لم يمسح الذاكرة المهنية – لأنه يحتاجها بل مسح “الهوية”.
جعل كاسيان يعتقد أنه “مدين بحياته” لهاملتون ، وبأنه ابنه الروحي الذي لا يملك أحداً غيره.
استخدام عبقرية كاسيان الجراحية لإجراء عمليات معجزة في العاصمة تُنسب في النهاية لمدرسة “هاملتون”
مما يفتح له أبواب القصر الملكي الذي طالما حلم بدخوله كـ “كبير أطباء المملكة”.
و بتزويجه من بياتريس ، سيغلق الدائرة تماماً.
سيصبح كاسيان “ملكاً” له ، ملكية قانونية وعائلية ، لا يمكن لأحد استردادها.
فتح هاملتون عينيه فجأة حين تذكر نظرات إيفانجلين في الاجتماع.
تمتم بحقد:
” أنتِ العقبة الوحيدة المتبقية”.
لقد كان يعلم أن وجوده في العاصمة هو رهان خطير.
لكنه كان واثقاً من سحره النفسي على كاسيان.
لقد بنى حوله جداراً من الأكاذيب:
أخبره أن ماضيه في الجنوب كان بائساً وفقيراً.
لدرجة أن كاسيان نفسه أصبح يخشى البحث في ذلك الماضي.
أخرج هاملتون رسالة سرية مختومة بختم الديوان الملكي.
كان هناك “أمير” يعاني من ورم معقد في النخاع الشوكي ، عملية لم يجرؤ أحد في المملكة على لمسها.
“هذا هو ثمنك يا كاسيان،”
همس هاملتون وهو يحرق طرف الرسالة بالنار.
“ستجري هذه العملية ، وسأقف أنا خلفك كالمعلم الملهم. سأحصل على لقب ‘النبيل’، وستحصل أنت على المجد الزائف الذي صنعته لك. أما تلك الطبيبة ، وذكرياتك المدفونة.. فسأحرص على بقائها تحت التراب، حتى لو اضطررت لاستخدام مشرطي مرة أخرى.”
نهض هاملتون ، وأغلق الصندوق الخشبي بقوة.
ثم توجه نحو النافذة ليطل على أضواء العاصمة.
لم يكن يعلم أن “الذاكرة الجسدية” لكاسيان..
التي قادته للفيلا الساحلية ، أقوى من كل العمليات و تلاعب الأعصاب.
بدأ يوم الأحد بهدوء غير معتاد في منزل إيفانجلين.
استيقظت مبكراً ، وجهزت حقيبة صغيرة لإيلودي.
لكنها توقفت للحظة وهي تنظر إلى ابنتها التي كانت تغط في نوم عميق.
قررت في تلك اللحظة أن تذهب بمفردها.
فالمواجهة مع الذكريات في قصر “دي موران” قد تكون أثقل من أن تتحملها طفلة في الرابعة.
عندما استيقظت إيلودي ، وجدت والدتها تجلس بجانبها بوشاحها الرمادي الأنيق.
“حبيبتي ، ماما ستذهب لزيارة الجد والجدة في قصر البحر. سأعود قبل أن تغرب الشمس تماماً، أعدكِ أننا سنتناول العشاء معاً، وسأحكي لكِ قصة الأميرة والملح.”
قبلت إيلودي ، وأوصت مارثا بالانتباه إليها..
ثم انطلقت العربة نحو الساحل.
في قصر “دي موران”..
كان الهواء المالح يلف القصر الحجري القديم عندما وصلت إيفانجلين.
استقبلها أرثر وهيلين بلهفة حقيقية، عناق هيلين كان طويلاً.
كأنها تحاول استعادة جزء من ابنها من خلال زوجته.
“دخلتِ ودخلت معكِ رائحة الحياة يا ابنتي،”
قالت هيلين وهي تقودها لغرفة الجلوس المشرفة على البحر.
كان اللقاء طبيعياً جداً ، غلفه الحزن الرقيق والحديث عن الأمور العادية.
تناولوا الغداء ، وتحدثت هيلين عن الورود التي زرعتها في حديقة القصر
و عن كيف أن القصر أصبح واسعاً جداً وموحشاً عليهما.
قالت هيلين وهي ترتشف شايها:
“نشتاق لإيلودي يا إيفا ، القصر يحتاج لضحكتها.”
ردت إيفانجلين بهدوء:
“وأنا أشتاق لرؤيتها هنا أيضاً ، لكن الرحلة طويلة عليها. في المرة القادمة سنأتي لنقضي عطلة كاملة.”
أرثر، بوقاره المعهود ، لم يفتح ملفات الماضي ، ولم يطرح أسئلة صعبة.
جلسوا يراقبون السفن البعيدة من الشرفة.
كانت إيفانجلين تتحدث عن عملها في المستشفى ، وعن الحالات التي تواجها.
بأسلوب مهني ينم عن قوتها واستقلاليتها.
أرثر كان يراقب هدوء إيفانجلين، ورأى في عينيها نضجاً مؤلماً.
وكأنها تصالحت مع فكرة أن كاسيان أصبح “ذكرى” لا تموت ، لكنها أيضاً لا تعود.
قالت إيفانجلين وهي تتأهب للرحيل:
“سيد أرثر ، سيدة هيلين.. وجودكما في العاصمة يعطيني قوة كبيرة. شكراً لأنكما عدتما.”
أجاب أرثر وهو يودعها عند العربة:
“نحن هنا من أجلكِ ومن أجل الصغيرة يا إيفانجلين. أردنا فقط أن نكون قريبين من المكان الذي قضى فيه كاسيان أيامه الأخيرة.”
غادرت إيفانجلين وهي تشعر براحة طفيفة.
اللقاء مر بسلام دون انفجارات عاطفية أو كشف للأسرار.
لكنها لم تكن تعلم أن “الطبيعية” التي سادت اللقاء هي التي دفعت أرثر للتفكير.
التعليقات لهذا الفصل " 22"