“هل حياتي كلها مجرد كذبة مريحة؟”
شعر بصداع حاد يضرب صدغيه..
الصداع الذي يهاجمه كلما حاول دفع عقله للبحث خلف الجدار الأسود في ذاكرته.
أغمض عينيه بقوة ، فظهر له طيفٌ باهت..
لم تكن بياتريس ، ولم يكن الجنوب.
كان طيف امرأة تضحك في مطبخٍ تفوح منه رائحة القهوة والياسمين.
نهض من مقعده وبدأ يجوب الغرفة بضيق.
نظر إلى حقائبه الجاهزة، وإلى صورته مع بياتريس الموضوعة على المكتب.
كان يشعر بغربة قاتلة تجاه تلك الصورة.
“من هو كاسيان الحقيقي ؟”
سأل انعكاس وجهه في زجاج النافذة.
“هل أنا الجراح الناجح الذي صنعه هاملتون ؟ أم أنني ذلك الرجل الذي انتُزعت صفحاته من التاريخ ؟”
كان يشعر بأن إيفانجلين تملك الإجابات ، لكنها ترفض منحه إياها.
هل هي تعاقبه ؟ أم أنها تحمي شيئاً ما ؟
لم يكن يعلم أن إيفانجلين في تلك اللحظة كانت تضع صورته “بوجهها لأسفل”.
ظناً منها أنه اختار النسيان.
بينما كان هو ، في غرفته المظلمة، يصارع المستحيل ليتذكر ملامحها دون جدوى.
في تلك الليلة ، لم يستطع كاسيان البقاء بين الجدران المذهبة لجناحه
شعر أن الهواء هناك يضيق على صدره.
خرج دون معطف ، بقميصه الرقيق رغم لسعة برد العاصمة.
و سار في الشوارع بهيامٍ لم يعهده في شخصيته المنضبطة.
لم يخطط لوجهة ، بل ترك لقدميه حرية القيادة.
وكأن هناك “بوصلة خفية” في خلايا جسده تعمل بمعزل عن عقله المعطل.
سلك طرقاً جانبية ضيقة ، وعبر جسوراً حجرية قديمة.
حتى وجد نفسه في حيٍّ يتسم بالهدوء الأرستقراطي والسكينة.
توقفت قدماه فجأة..
وجد نفسه يقف أمام فيلا جميلة ، تبدو وكأنها خارجة من حلم قديم.
كانت ذات طابع كلاسيكي، تحيط بها حديقة منسقة بعناية تفوح منها رائحة الياسمين الليلي.
وسور خشبي أبيض تتسلق عليه زهورٌ ذابلة بفعل الشتاء.
كان للبيت “هيبة هادئة”؛ شرفات واسعة من الحديد المطاوع ، ونافذة كبيرة في الطابق العلوي تعكس ضوء القمر الشاحب.
وقف كاسيان هناك ، يراقب البيت بذهول.
“لماذا أنا هنا ؟”
سأل نفسه بضياع..
“لماذا شعرتُ أن قلبي كان يركض قبل أن تصل قدماي إلى هذا الرصيف بالذات ؟”
كان رأسه يضج بالألم ، نبضاتٌ قوية خلف عينيه كأنها مطارق تحاول كسر جدارٍ صلب.
حاول أن يتذكر إن كان قد زار هذا المكان في أي رحلة طبية ، لكنه لم يجد شيئاً.
ومع ذلك ، كان يشعر أن “خشب الباب” يعرف لمسة يده.
و أن “الطريق الحجري” يحفظ وقع خطاه.
فجأة ، انبعث ضوءٌ دافئ من إحدى النوافذ في الطابق العلوي.
تسمّر كاسيان في مكانه ، وحبس أنفاسه.
رأى ظلاً يتحرك خلف الستائر..
ظل امرأة ينم عن تعبٍ ووقار.
بقي يراقبه لدقائق ، لكنه لم يكن يعلم.
عندما انطفأ الضوء وساد الظلام، شعر كاسيان ببرودة مفاجئة تجتاح روحه
و كأن ذلك الضوء كان يدفئ شيئاً في أعماقه.
ظل واقفاً هناك لفترة طويلة ، في صمت الليل ، يحدق في البيت المظلم.
كان يشعر برغبة مجنونة في طرق الباب ، في الصراخ و سؤال من بالداخل:
“من أنا بالنسبة لكم ؟”
لكنه لم يفعل..
استدار ببطء ، وعاد أدراجه نحو الفندق.
كانت خطواته هذه المرة ثقيلة ، مبعثرة، كشخصٍ ضل طريقه في غابة لا نهاية لها.
لم يكن يرى الشوارع و لا المارة ، كان يرى فقط تلك النافذة التي انطفأت.
وصل إلى الفندق والطلل يغطيه.
لم يلحظ نظرات الحارس المستغربة لعودته سيراً على الأقدام في هذا الوقت المتأخر.
دخل غرفته وارتمى على السرير بملابسه ، مغمضاً عينيه بقوة.
وهو يشعر أن الحقيقة قريبة جداً..
لكنها تفصل بينه وبينها هوة سحيقة لا يستطيع عبورها إلا بالانهيار.
التعليقات لهذا الفصل " 19"