في زاوية هادئة من كافتيريا الأطباء المطلة على الحديقة.
جلس أريان مقابل إيفانجلين ، وكان قد خلع معطفه الطبي واكتفى بقميصه المقلم.
محاولاً كسر حدة اليوم الطويل.
“إذن..”
بدأ أريان بابتسامة وهو يضع قائمة صغيرة على الطاولة.
“لقد أخبرتني إيلودي في المرة الماضية أن الفراشات في الحديقة العامة أصبحت مملة ، وأنها تريد رؤية ‘الخيول التي تطير’.”
ضحكت إيفانجلين بعفوية ، وهي تمسك كوب الشاي بيديها:
“الخيول التي تطير ؟ تقصد الخيول الخشبية في مدينة الملاهي القديمة عند أطراف العاصمة. لقد وعدتها بذلك منذ شهر، لكن المناوبات كانت تحول بيننا.”
أومأ أريان برأسه مؤكداً:
“إذن ، هذا هو مخططنا ليوم السبت. سآتي إليكما في الصباح الباكر. سنأخذ سلة النزهة، وسأحرص على أن أشتري لها أكبر غزل بنات وردي تجده في العاصمة. مارثا أخبرتني أيضاً أن هناك عرضاً للدمى المتحركة في الساحة الكبرى، إيلودي ستحب ذلك بالتأكيد.”
نظرت إليه إيفانجلين بامتنان ، وصمتت للحظة قبل أن تقول:
“أنت تفعل الكثير من أجلها يا أريان.. أحياناً أشعر أنني أثقل عليك بمسؤوليات ليست لك.”
قاطعها أريان بنبرة هادئة ورصينة:
“إيفا ، إيلودي ليست مجرد ابنة زميلة بالنسبة لي. ضحكتها هي الشيء الوحيد الحقيقي في هذا المكان المليء بالأوجاع. ثم إنني أحتاج لهذه العطلة بقدر ما تحتاجها هي. الهروب من رائحة المعقمات إلى رائحة العشب والخبز الدافئ هو علاجي الوحيد.”
تابعت إيفانجلين وهي ترسم دوائر وهمية على الطاولة:
“قالت لي بالأمس إنها تريد أن نشتري ‘بالوناً أزرق’ ونطلقه في السماء، ليوصل رسالة للمسافر بأنها تنتظره عند الخيول الخشبية.”
تلاشت ابتسامة أريان قليلاً، لكنه سرعان ما استعاد هدوئه:
“سنشتري لها عشرة بالونات إن أرادت. المهم أن نرى تلك اللمعة في عينيها. دعينا ننسى المستشفى، والوفود، والماضي ليوم واحد فقط. يوم واحد نكون فيه مجرد ‘عائلة’ تقضي وقتاً طيباً، بعيداً عن كل هذا التعقيد.”
في مكانٍ بعيد.. مملكة “إليري” المجاورة..
في مكتب فخم يطل على حدائق السفارة..
كان السيد “أرثر”، الرجل الدبلوماسي الذي لطالما عُرف بصلابته ورزانته، يجلس خلف مكتبه.
لكن عيناه لم تكن تريان الأوراق الرسمية أمامه.
كان ينظر إلى ساعة جيب قديمة، بداخلها صورة لشاب وسيم بملامح حادة وعينين تلمعان بالذكاء..
صورة كاسيان.
دخلت زوجته ، السيدة “هيلين”، وكانت تحمل في يدها رسالة مطوية.
ملامحها كانت تحمل وقار الحزن؛ ذلك النوع من الحزن الذي لا يمحوه الزمن.
بل يجعله جزءاً من الملامح..
“أرثر..”
قالت بصوت يرتجف قليلاً
“لقد حجزتُ موعد الرحلة، سنعود للعاصمة الملكية الأسبوع القادم.”
تنهد أرثر بعمق ، وأغلق ساعة الجيب بصوت مسموع:
“أربع سنوات يا هيلين.. أربع سنوات وأنا ألوم عملي وسفري اللذين منعاني من وداع ابني الوحيد. لقد تركتُه يرحل وأنا أطارد الاتفاقيات السياسية، والآن.. لم يتبقَ لنا سوى قبره وزوجته.”
دنت هيلين منه ووضعت يدها على كتفه:
“ليست زوجته فقط. تذكر الرسالة التي وصلت إلينا من ‘إيفانجلين’ بعد الحادث بشهور. كانت حاملاً يا أرثر. هناك حفيد أو حفيدة لنا في تلك المدينة، تحمل دماء كاسيان، تعيش في منزل لم ندخله منذ تلك الفاجعة. ألا تعتقد أن الوقت قد حان لنكون بجانبها ؟”
أغمض أرثر عينيه ، وصورة كاسيان لا تفارقه:
“أشعر بغصة لا تتركني يا هيلين. كلما فكرت في إيفانجلين وهي تربي طفلاً وحيدة ، أشعر بأنني خذلتُ ابني مرتين. هي لم تتخطَ صدمة وفاته، ونحن هربنا بحزننا بعيداً. عودتنا ليست مجرد زيارة ، بل هي محاولة للتكفير عن غيابنا.”
نظرت هيلين إلى الأفق بمرارة:
“يقولون إن العاصمة تغيرت ، وأن هناك وفوداً طبية كبيرة تزورها هذه الأيام. لا يهمنا كل ذلك ، ما يهمنا هو تلك الطفلة التي لم نرها قط.. والاعتذار من إيفانجلين التي واجهت الموت والحياة وحدها.”
التعليقات لهذا الفصل " 17"