صمت لم يكسره إلا صدى الضحكات البعيدة من داخل القاعة.
كان كاسيان يقف أمامها، يشعر بضيق في صدره لم يفهمه.
و كأن رؤيتها مع رجل آخر قد أيقظت فيه وحشاً نائماً لم يعهد وجوده في حياته الهادئة بالجنوب.
“لم أعهدكِ حادة هكذا في الرد، دكتورة إيفانجلين”
قال كاسيان بصوت منخفض، محاولاً استعادة وقاره الرسمي، لكن عيناه كانتا تبحثان في وجهها عن تفسير.
نظرت إليه إيفانجلين بهدوء ، وثبتت نظرها في عينيه دون أن ترمش:
“الحدة أحياناً تكون وسيلة دفاع، دكتور كاسيان.. للدفاع عما تبقى لنا من خصوصية .”
خطا كاسيان خطوة واحدة نحوها، ومال قليلاً بجسده، وقال بنبرة غلب عليها الفضول القاتل:
“لماذا أشعر أن كل كلمة تقولينها هي لغز ؟ ولماذا تغيرت طريقتكِ في النظر إليّ منذ الأمس ؟ هل فعلتُ شيئاً أساء إليكِ دون قصد ؟”
ابتسمت إيفانجلين ابتسامة مريرة، ابتسامة امرأة رأت كل شيء وفهمت كل شيء.
“أنت لم تفعل شيئاً ، دكتور. وهذا هو بيت القصيد. أنت لم تفعل شيئاً، ولم تتذكر شيئاً، ولم تعد ترى سوى ما يُملى عليك.”
ثم اقتربت منه قليلاً ، حتى شعرت بأنفاسه المضطربة ، وهمست:
“أتدري ما هو أصعب من الموت ؟ هو أن تعود من الموت بجسدك، وتترك قلبك وذاكرتك مدفونين في مكان ما، وتظن أنك صرت رجلاً جديداً لمجرد أنك ترتدي معطفاً مختلفاً وتصافح يداً أخرى.”
اتسعت عينا كاسيان ، وشعر بقشعريرة تسري في جسده.
الكلمات كانت ثقيلة ، غامضة ، ومشحونة بوجع لم يختبره من قبل.
وقبل أن ينطق بحرف ، وقبل أن يسألها :
“ماذا تقصدين ؟”
تراجعت إيفانجلين خطوة إلى الوراء، واستعادت قناع البرود الراقي.
“أعتذر، لقد أطلتُ الحديث مرة أخرى ، وأنت رجل عملي كما يقول الجميع .”
عدلت ثوبها المخملي ، ونظرت إليه نظرة أخيرة خالية من العاطفة وقالت
“تصبح على خير، دكتور كاسيان. أتمنى لك ولخطيبتك ليلة سعيدة.”
استدارت ومشت بخطى ثابتة نحو القاعة المضيئة ، تاركة إياه وحيداً في عتمة الشرفة.
يصارع صداعاً مفاجئاً بدأ يضرب رأسه.
و صورة وجهها وهي تتحدث عن “القلب المدفون” ترفض أن تفارقه.
عادت إيفانجلين لتجلس في زاوية بعيدة من القاعة، حيث لحق بها اريان.
كان يراقب ملامحها المجهدة، والرجفة الطفيفة في يدها وهي تمسك كأسها.
قال أريان بصوت هادئ ومنخفض:
” إيفا .. توقفي عن معاقبة نفسكِ ومعاقبته. أنتِ تعلمين يقيناً أنه لا يرى.”
نظرت إليه إيفانجلين بعينين تملؤهما الدموع المحبوسة:
“ماذا تقصد يا أريان ؟ إنه يرى ، ويتحدث ، ويضحك.. لكنه اختار ألا يراني أنا.”
وضع أريان يده على الطاولة بالقرب منها وقال بجدية:
“أرجوكِ ، كوني منطقية. أنا عرفتُ كاسيان لسنوات ، ورأيتُ كيف كان ينظر إليكِ. الرجل الذي كان مستعداً لحرق العالم من أجل ابتسامة منكِ، لا يمكن أن يتحول إلى هذا الحجر بمحض إرادته. الحادث الذي تعرض له في الجنوب لم يحطم جسده فقط، بل مسح ذكرياته من عقله.”
صمتت إيفانجلين ، فتابع أريان:
“بياتريس ووالدها ليسا أغبياء. لقد استغلوا فراغ ذاكرته ليصنعوا منه رجلاً يدين لهما بحياته. إنه يعيش في سجن من الامتنان لهما، ولا يملك مفتاحاً لماضيه. تجاهلكِ له الآن لن يعيد ذاكرته، بل سيزيد الجفاء بينكما.”
مسحت إيفانجلين طرف عينها وقالت بمرارة:
“وإذا كان فاقداً للذاكرة حقاً.. فما نفع وجودي ؟ هل سأقضي عمري أشرح لرجل غريب أنني كنتُ يوماً أنفاسه ؟ اريان ، الوجع في أنه حيّ ولكن روحه التي أحببتها قد ماتت.”
نظر أريان نحو كاسيان الذي كان لا يزال واقفاً عند الشرفة وحيداً، يحدق في الفراغ بضياع، وقال:
“انظري إليه.. إنه لا يبدو سعيداً يا إيفا. يبدو وكأنه يبحث عن شيء لا يجده. الجسد يتذكر ما ينساه العقل، واليوم حين اقتربتُ منكِ، رأيتُ في عينيه غيرة فطرية لم يستطع عقله تفسيرها. لا يزال هناك خيط رفيع يربطه بكِ، فلا تقطعي هذا الخيط بكبريائكِ.”
بدأت كلمات أريان تتغلغل في عقل إيفانجلين.
بدأت تعيد النظر في برود كاسيان؛ هل هو حقاً “تخلٍّ” أم أنه “عجز” ؟
هل هي تظلمه بوصفه خائناً بينما هو في الحقيقة ضحية لنسيان قسري ؟
في هذه الأثناء ، كان كاسيان على الشرفة يلمس صدغه بألم.
الكلمات التي قالتها إيفانجلين عن “القلب المدفون” كانت تتردد في أذنيه كصوت جرس قديم.
“من أنا حقاً ؟”
همس لنفسه ، ولأول مرة منذ أربع سنوات ، لم تكن إجابة “أنا كاسيان هاملتون”..
كافية لإسكات الشكوك التي زرعتها تلك المرأة في روحه.
التعليقات لهذا الفصل " 15"