أُقيم الحفل في “القصر الشتوي” الملحق بالمستشفى الملكي.
و هو بناء أثري يتسم بأعمدة رخامية شاهقة وثريات من الكريستال تتدلى كعناقيد الضياء.
لتعكس بريقها على الأرضيات المصقولة.
كان الجو العام يمزج بين الهيبة الرسمية وفخامة العاصمة.
رائحة البخور العتيق تمتزج بعطر الزهور النادرة..
حضر وفد الجنوب بكامل أناقتهم، وكان كاسيان يتوسطهم ببدلة رسمية سوداء ذات حياكة متقنة.
تبرز قامته الممشوقة ووقاره الهادئ.
كانت بياتريس تقف بجانبه ، متألقة بثوب من الحرير القرمزي ، تضع يدها في يده بتملّك واضح.
و توزع الابتسامات على الحضور كأنها ملكة متوجة تزف خبر انتصارها للجميع.
في تلك اللحظة ، فُتحت الأبواب الكبيرة لتدخل إيفانجلين.
لم تكن ترتدي ثوباً مبهرجاً ، بل اختارت فستاناً من المخمل الكحلي الداكن ، ينسدل ببساطة ورقيّ..
تاركةً شعرها مرفوعاً بأسلوب كلاسيكي يبرز عنقها ووجهها الشاحب الذي زاده الهدوء جمالاً.
لم تكن تبحث عن لفت الأنظار ، لكن “هالتها” كانت تجبر الجميع على الالتفات.
وقعت عينا كاسيان عليها وسط الزحام.
توقف عن الحديث مع أحد الوزراء، وشعر بغصة مفاجئة.
كانت تبدو مختلفة تماماً عن “الطبيبة” التي يراها كل يوم في الممرات.
كانت تفيض ببرود ملكي ، تسير بين المدعوين بابتسامة رقيقة ومرسومة بدقة.
تتبادل التحايا مع زملائها بوقار، وتتجاهل تماماً الجهة التي يقف فيها الوفد الجنوبي.
اقتربت إيفانجلين من مائدة الضيافة، وبينما كانت تتحدث مع مدير المستشفى.
مرّ كاسيان وبياتريس بالقرب منها.
تعمدت بياتريس رفع صوتها قائلة:
“عزيزي كاسيان ، ألا تظن أن أجواء العاصمة كئيبة بعض الشيء مقارنة بدفء الجنوب ؟ أتشوق لعودتنا وإتمام مراسم زواجنا هناك.”
ثبتت يد إيفانجلين على كأس الماء، لكنها لم تلتفت.
لم يرفّ لها جفن ، بل تابعت حديثها مع المدير متجاهلة وجدوهما..
نظر إليها ، وكان ينتظر أن يرى في عينيها ذلك “الضعف” الذي رآه في الممر.
لكنه لم يجد سوى جدار من الجليد.
لم تعد تعاتبه، بل بدت وكأنها “نسيته” هي الأخرى.
هذا التجاهل الراقي جعله يشعر بارتباك لم يعهده.
بدأ يشعر بأن الثريات والأنوار والناس كلهم يتلاشون.
ولا يبقى في القاعة إلا هذه المرأة التي تبدو قريبة منه لدرجة اللمس، وبعيدة عنه لدرجة المستحيل.
حاولت بياتريس أن تسحبه بعيداً لكنه اعتذر بصوت خافت:
“بياتريس ، أشعر بضيق طفيف من الزحام ، سأقف قليلاً عند الشرفة.”
تركها وذهب ليراقب إيفانجلين من بعيد ، وهي تضحك بوقار مع زميل لها.
و شعر لأول مرة برغبة “غير منطقية” في أن يكون هو الشخص الذي يقف مكان ذلك الزميل.
ليس بصفته طبيباً ، بل بصفته شيئاً آخر لا يستطيع عقله تسميته بعد.
التعليقات لهذا الفصل " 13"