استيقظت إيفانجلين في ذلك الصباح بقلبٍ اتخذ قراره الصعب.
نظرت إلى المرآة وهي ترتدي معطفها الطبي ، ولم ترَ تلك الأرملة المنكسرة.
بل رأت امرأة أدركت أن كرامتها وكرامة ابنتها فوق كل اعتبار.
لقد أقنعت نفسها بحقيقة مريرة:
“كاسيان لم يضع ؛ بل اختار أن يُوجَد في مكان آخر، مع امرأة أخرى، وبحياة لا تسعنا”.
هذا الظن جعلها لا ترغب في استجداء ذاكرته بعد الآن.
بل قررت أن تمنحه ما يبدو أنه يريده:
النسيان التام..
كانت ممرات المستشفى هادئة حين دخلت إيفانجلين.
رأت من بعيد كاسيان وهو يقف مع بياتريس ووالدها البروفيسور، يتحدثون بهدوء واتزان.
كانت بياتريس تضع يدها برقة على ذراعه ، وهو يبادلها الابتسامات الرسمية الهادئة.
سارت إيفانجلين بخطى واثقة ، لم تهرب ولم ترتبك.
وعندما مرت بمحاذاتهم ، لم تطل النظر ولم تحاول لفت الانتباه.
اكتفت بإيماءة رأس بسيطة ووقورة، إيماءة يتبادلها الزملاء الغرباء الذين لا تجمعهم أدنى صلة شخصية.
و قالت بنبرة خفيضة ورسمية:
“صباح الخير ، أيها السادة.”
ثم تابعت سيرها دون أن تنتظر رداً، ودون أن تلتفت لترى أثر تحيتها العابرة عليه.
توقف كاسيان عن الحديث للحظة.
تلك التحية “العابرة” أزعجته أكثر من نظرات الحزن التي كانت تلاحقه بالأمس.
كان يشعر بوجودها دائماً كعاصفة من العواطف ، لكنها اليوم بدت كقطعة رخام باردة.
لم يعد يرى في عينيها ذلك “العتاب” الذي كان يربكه ، بل رأى فراغاً مهنياً بحتاً.
أثناء مراجعتهما لتقرير طبي مشترك، وضع كاسيان الورقة أمامها وقال محاولاً فتح حديث بعيد عن الأرقام:
“دكتورة إيفانجلين ، لاحظتُ أنكِ غيرتِ منهجية العمل في الجناح الشمالي اليوم ، هل هناك سبب طبي لهذا التغيير ؟”
أجابت وهي توقع على الأوراق دون أن ترفع بصرها إليه:
“مجرد تنظيم روتيني لضمان كفاءة العمل ، دكتور كاسيان. بصفتي المسؤولة عن هذا القسم ، أرى أن الوضوح في المسافات المهنية يخدم مصلحة الجميع.”
شعر كاسيان ببرودة كلماتها.
كانت نبرتها خالية من أي ود ، مجردة من أي انفعال.
“بالطبع”
رد كاسيان وهو يشعر بضيق غير مبرر.
“الوضوح مهم. لقد ظننتُ للحظة أنكِ… متضايقة من وجود الوفد هنا.”
هنا ، رفعت إيفانجلين عينيها ونظرت إليه بنظرة هادئة وبعيدة، نظرة جعلته يشعر أنه بعيد عنها آلاف الأميال:
“على العكس ، دكتور. نحن نقدر الخبرات القادمة من الجنوب. أما الأمور الشخصية ، فهي لا تعنيني ولا أسمح لها بدخول جدران هذا المستشفى. أرجو أن تركز جهودك على الحالة الجراحية ، فذلك هو السبب الوحيد لوجودنا في نفس الغرفة.”
كان كلامها “مهذباً” لدرجة الجحود، و”راقياً” لدرجة أنه لم يجد ثغرة ليرد بها.
استدارت لتخرج ، تاركةً إياه مع شعور غريب بالخسارة.
لم تكن صرخات الغضب هي ما آلمه، بل كان هذا التجاهل المهذب.
لقد بدأت تعامله كما يعاملها هو:
كغريب تماماً..
وهذا ما جعل “الأنا” عند كاسيان تتحرك لأول مرة.
كيف يمكن لهذه المرأة أن تتخطى وجوده بهذه السرعة ؟
وكيف تحولت نظرة العتاب في عينيها إلى هذا البرود المهني المطلق؟
التعليقات لهذا الفصل " 12"