1
الفصل الأوّل
“حقِّقوا في أمرِ عائلةِ دوق سيلرديان.”
صدرَ الأمرُ السِّريُّ يحملُ في طياتِهِ مَغزىً واضحاً: ابحثوا عن أيِّ دليلٍ على التمرُّد.
وما إن أنهى الإمبراطورُ حديثَهُ، حتى جثا كاسيان على ركبةٍ واحدةٍ مُبدياً آياتِ الاحترامِ.
“أمرُكَ، يا صاحبَ الجلالة.”
بصفتهِ سيفَ الإمبراطورِ المخلصَ، تحرَّكَ كاسيان على الفورِ.
صادفَ ذلك اليومُ موعدَ زفافِ ابنةِ الدوقِ من الفيكونت هيتيوس.
انطلقَ كاسيان ممتطياً جوادَهُ على عجلٍ، تساورُهُ الشكوكُ في أنَّ حفلَ الزفافِ قد لا يكونُ إلا ستاراً لتبادلِ إشاراتٍ سريةٍ للتمرُّدِ.
ولكن.
“إغ!”
ما إن وصلَ كاسيان وفرسانُهُ إلى الغابةِ الغربيةِ حتى قطبوا جباهَهُم فزعاً.
كانتِ الدماءُ تلطِّخُ كلَّ مكانٍ.
البشرُ والخيولُ، الجميعُ غارقٌ في دمائِهِ.
كان مشهداً مروّعاً لدرجةِ أنَّه تعذَّرَ العثورُ على جثةٍ واحدةٍ سليمةٍ.
“هل لقى الجميعُ حتفَهُم؟”
تمتمَ كاسيان بصوتٍ منخفضٍ ووجهٍ يملؤهُ الذهولُ من المشهدِ غيرِ المتوقعِ، وفي تلك اللحظةِ:
“سيدي، هناك ناجيةٌ هنا!”
عثرَ أحدُ الفرسانِ على امرأةٍ ملقاةٍ على الأرضِ.
“هذه هي…”
كان وجهاً مألوفاً. يعرفُها شكلاً، لكن لم يسبق لهُما أن تبادلا الحديثَ.
إيفلين سيلرديان.
شقيقةُ دوق سيلرديان الحالي، وزمرُّدةُ المجتمعِ المخمليِّ.
نشأت في بيئةٍ ثريةٍ ومترفةٍ لدرجةِ أنَّ العامةَ لقَّبوها بـ “ملكةِ الشمال”.
كدليلٍ على ذلك، كان شعرُها الأخضرُ، الذي يشبهُ ندى الفجرِ، ينسدلُ طويلاً.
وبشرتُها البيضاءُ، التي بدت وكأنَّها مُزجت بمسحوقِ السُّكرِ الناعمِ، كانت أكثرَ شحوباً من المعتادِ.
رغم حالتها الرثّةِ الآن، إلا أنَّ جمالَها الفتّانَ لم يختفِ.
وعلى الرغم من الجروحِ المتفرقةِ، إلا أنَّ مظهرَها كان يثيرُ الشفقةَ واللوعةَ.
أن تتعرَّضَ عروسٌ ترتدي ثوباً أبيضَ ناصعاً لمثل هذه المجزرةِ وهي في طريقها للقاءِ عريسها.. هل كانت تملكُ الكثيرَ من الأعداءِ؟
بينما غرقَ كاسيان في أفكارِهِ، ارتجفت جفونُ إيفلين.
ومع أنينها الخافتِ، سارعَ كاسيان لإسنادِ جسدها العُلويِّ بذراعِهِ.
وفي اللحظةِ التي اقتربَ فيها منها، تسلَّلت رائحةُ الزهورِ إلى أنفِهِ.
تجمَّدت تعابيرُ كاسيان للحظةٍ، لكنَّه سرعان ما استعادَ برودَهُ وتفقَّدَ حالتها.
إيفلين، التي كانت تقطِّبُ حاجبيها وكأنَّها في كابوسٍ، أطلقت زفيراً ضعيفاً وفتحت عينيها بصعوبةٍ.
ثم قالت:
“أيها الكلبُ اللعين.”
وفقدت وعيَها فورَ نطقِها لتلك الكلماتِ.
“…”
حلَّ صمتٌ ثقيلٌ بعد نبرةِ صوتها الواضحةِ.
تيبَّسَ وجهُ كاسيان، ولم يدرِ الفرسانُ ماذا يقولونَ من شدةِ الارتباكِ.
‘كلبُ الإمبراطور’.
كان هذا هو اللقبُ الذي يطلقُه أهلُ الشمالِ على كاسيان سخريةً منهُ.
لكن أن يتجاوزَ الأمرُ وصفَ الكلبِ ليصلَ إلى “اللعينِ”..
“هل أتخلصُ منها؟”
اشتدت قبضةُ ذراعِهِ التي تسندُ إيفلين.
بدا وكأنَّه على وشكِ إلقائها على الأرضِ في تلك اللحظةِ.
ولكن، لحسنِ الحظِّ، لم يحدث ذلك.
“لا يجوزُ يا سيدي! مهما كان، فهي سيدةٌ نبيلةٌ!”
تدخَّلَ رجلٌ ذو شعرٍ بنيٍّ على عجلٍ لإيقافِهِ؛ إنه هانس، مساعدُ كاسيان.
“تطلبُ مني ممارسةَ الفروسيةِ مع سيدةٍ تنعتُني بالكلبِ اللعينِ؟”
“قد تفيدُنا في التحقيقِ، من يدري…”
[حقِّقوا في أمرِ عائلةِ دوق سيلرديان.]
تذكَّرَ كاسيان أمرَ الإمبراطورِ فقطبَ ما بين عينيهِ.
وبما أنَّه لم يجد حجةً للرفضِ، طقطقَ بلسانِهِ وحملَ إيفلين على مضضٍ بين ذراعيهِ.
“يا لها من امرأةٍ مزعجةٍ حقاً.”
تجسَّدتُ. داخل روايةِ روبان (رومانسية خيالية).
المشكلةُ هي أنَّني لا أعرفُ أيَّ روايةٍ هذهِ بالضبطِ.
‘لا تنعتوني بالغباءِ، فالحزنُ يملأُ قلبَ الغبيِّ حين يسمعُ ذلك’.
عذري هو أنَّني قرأتُ الكثيرَ من رواياتِ الرومانسيةِ الخياليةِ لدرجةِ التباسِ الأمورِ عليَّ.
بصراحةٍ، قرأتُ الكثيرَ منها، لكنَّني كنتُ أتصفَّحُها على عجلٍ.
على أيِّ حالٍ، دعوني أشرحُ وضعي.
كنتُ متدربةً في شركةٍ، وتحت ضغطِ رئيسي في العملِ، جلستُ خلفَ المقودِ، فاصطدمتُ بشاحنةِ نقلٍ كانت مسرعةً نحوي، وسلكتُ طريقاً مباشراً إلى العالمِ الآخرِ.
“أوه؟”
ظننتُ أنَّني متُّ لا محالةَ، لكن حين فتحتُ عيني، وجدتُ نفسي قد تجسَّدتُ في جسدِ أوني جميلةٍ ترتدي فستاناً أبيضَ.
“يا آنسة، أيَّ قرطٍ ستختارين؟ بما أنَّه يومُ زفافِكِ، هل أحضرُ لكِ الألماسَ؟”
“بما أنَّ المراسمَ ستكون في المعبدِ، أعتقدُ أنَّ الياقوتَ الأزرقَ سيكونُ لمسةً رائعةً!”
كانتِ المرأةُ المنعكسةُ في المرآةِ جميلةً حقاً.
‘جميلةً لدرجةِ تجعلُك تتساءلُ عما إذا كانت رُوحُ الصيفِ قد تجسَّدت في هيئةِ بشرٍ’.
كانت ملامحُها تجعلُ أيَّ شخصٍ يؤمنُ بأنَّها بطلةُ الروايةِ.
وبينما كنتُ أتأملُ جمالي في المرآةِ، فجأةً:
“إنَّهم يداهمونَ المكانَ!”
“ليس لدينا وقتٌ، يا آنسة!”
“علينا أن نسرعَ فوراً!”
الخادماتُ اللاتي كُنَّ يساعدنَني في الزينةِ، بمجردِ سماعهنَّ كلامَ الفارسِ، أمسكنَ بيدي وسحبنَني خارجَ الغرفةِ.
على حين غِرةٍ، تَبِعتهنَّ إلى الخارجِ، لكن لسببٍ ما، كان المكانُ هادئاً وموحشاً بشكلٍ مريبٍ.
“لماذا لا يوجدُ أحدٌ هنا؟”
“لأنَّكِ طلبتِ أن نذهبَ بمفردِنا يا آنسة!”
“أنا من طلبَ ذلك؟”
“نعم. لا وقتَ للنقاشِ الآن، اركبي العربةَ بسرعةٍ!”
دفعتني الخادماتُ بقوةٍ داخلَ العربةِ. وقبل أن أسألَ عن السببِ، كان الحوذيُّ يسوقُ الخيولَ بسرعةٍ جنونيةٍ.
بدأ الفرسانُ المدرَّعون الذين يحمون العربةَ في تبادلِ حواراتٍ غامضةٍ.
ولم تخفِّفِ العربةُ من سرعتِها إلا بعد مرورِ عشرينَ دقيقةً.
‘تُرى، ما الذي يحدثُ هنا؟’
‘ألم أكن ذاهبةً للقاءِ عريسي؟ لماذا أشعرُ وكأنَّنا نهربُ من شخصٍ ما؟’
رغم أنَّها يُفترضُ أن تكونَ لحظةَ سعادةٍ، إلا أنَّ شعوراً غريباً انتابني فجأةً.
كانتِ الخادماتُ الجالساتُ أمامي يراقبنَ ما خلفَ النافذةِ باستمرارٍ.
“يبدو أنَّنا أفلتنا منهم، أليس كذلك؟”
“أظنُّ ذلك. آه، يا آنسة، يقولونَ إنَّ هناك استراحةً قريبةً.”
“حسناً.. ولكن ممَّن أفلتنا بالضبط؟”
“بالتأكيدِ منهم! أنتِ غريبةُ الأطوارِ اليومَ يا آنسة.”
“هل تشعرينَ بالمرضِ في مكانٍ ما؟”
حين تجمَّعت نظراتُ الشكِّ نحوي، رسمتُ ابتسامةً غامضةً وتجنَّبتُ النظرَ في أعينهنَّ.
“… ربما لأنَّني متعبةٌ فحسب.”
يا ليتَني أعرفُ شيئاً، فالمثيرُ للدهشةِ هو أنَّني لا أملكُ أيَّ ذكرياتٍ عن صاحبةِ هذا الجسدِ.
تنهَّدتُ بأسىً، ففزعتِ الخادماتُ.
“يا آنسة! هل تتألمين؟”
“هل نأخذُ قسطاً من الراحةِ؟”
كانتِ الخادماتُ يرتجفنَ قلقاً.
“أنا بخير. كم بَقِيَ لنصلَ إلى المعبدِ؟”
“لا يزالُ أمامَنا ساعتانِ.”
“هل نطلبُ من الحوذيِّ التوقفَ؟”
“لا داعي. بالمناسبةِ، عريسي هو…”
“آه، هيتـ…”
طـراخ!
“آه!”
“آنسة، هل أنتِ بخير؟”
“ما الذي يحدثُ!”
فجأةً، اهتزتِ العربةُ بعنفٍ.
فقدتُ توازني فاصطدمَ كتفي بالجدارِ وخرجت مني صرخةُ ألمٍ.
“لقد ظهرَ القتلةُ المأجورونَ!”
“احموا الآنسةَ!”
تعالتِ الصيحاتُ المذعورةُ من الخارجِ مشيرةً إلى وقوعِ هجومٍ.
نظرتُ عبرَ النافذةِ، فرأيتُ قتلةً ملثَّمين يهاجمونَ الفرسانَ.
حاولَ الفرسانُ جاهدينَ حمايةَ العربةِ، لكنَّهم سقطوا واحداً تلوَ الآخرِ أمامَ النصالِ القاتلةِ.
عند رؤيةِ ذلك، أمسكتِ الخادماتُ بيدي وقفزنا من العربةِ.
حاولنا الهربَ بعيداً عن القتلةِ، ولكن..
“وجدتها! الآنسةُ هنا!”
لامسَ نصلٌ باردٌ ومرعبٌ عنقي.
‘هل سأموتُ حقاً؟’
‘من الظلمِ أن أتجسدَ في روايةٍ لا أتذكرُها، ثم أموتَ بعد أقلَّ من ثلاثِ ساعاتٍ على وصولي؟’
“انتظروا، اتركوني! قلتُ اتركوني!”
حاولتُ الهربَ بعد أن أدركتُ الواقعَ المريرَ، لكن دون جدوى.
بعد أن تخلصَ القتلةُ من الخادماتِ، كبَّلوا يدي بحديدٍ ثقيلٍ ووجَّهوا السيفَ نحوي.
“الآن، انتهى أمرُكِ.”
وفي اللحظةِ التي كان الموتُ فيها أمامَ عينيَّ مباشرةً..
بوووم!
هالةٌ ضوئيةٌ مجهولةٌ لفت جسدي، وقعَ انفجارٌ عظيمٌ.
التعليقات لهذا الفصل " 1"