استمتعوا
“هاه…”
في تلك الليلة.
أطلقت سيسيليا تنهيدة خفيفة وهي تتوجه نحو غرفة نومها.
لقد تعثرت في الطريق مرات ومرات بسبب الخدم الذين أرادوا كسب ود الدوقة الجديدة، حتى سرعان ما أصبح الوقت متأخرًا جدًا.
‘لابد أن راينر قد نام بالفعل.’
كان الممر مضاءً بضوء خافت منخفض، وساد فيه السكون والهدوء.
فتحت سيسيليا باب غرفة النوم بحذر، حرصًا على عدم إزعاج نومه.
لكن ما أن دخلت الغرفة حتى تجمدت في مكانها.
“را، راينر؟“
لم يكن راينر نائمًا.
وكان يرتدي رداءه، وما يمسكه بيده هو… حبل.
‘ماذا…؟ هل هذا نوع من الهواية؟‘
اتسعت عينا سيسيليا بدهشة، هل كان ينتظرها على هذه الحال؟
“ها قد أتيتِ أخيرًا.”
وقف راينر ببطء، متجهًا نحوها بنظرة حازمة وذقن مشدود، كأن في قلبه قرارًا راسخًا.
خطوة تلو الأخرى، كان يقترب منها ببطء، كأنما هو مفترس يتربص بفريسته.
تراجعت سيسيليا بلا وعي إلى الوراء، حتى لامس ظهرها الباب الصلب.
‘هل… هل أهرب؟‘
حين مدت سيسيليا يدها نحو مقبض الباب،
“سيسيـ—”
“آآه!”
مد راينر الحبل، فصرخت سيسيليا رد فعلًا فوريًا.
“ابتعد! أيها المنحرف!”
توقف راينر، مرتبكًا، وقد فهم الأمر متأخرًا.
وضع يده على جبينه وتنهد.
“لم أقصد إخافتك، يبدو أن هناك سوء فهم.”
“سـ، سوء فهم؟“
احتضنت سيسيليا ذراعيها أمام صدرها في موقف دفاعي.
ألقى راينر الحبل جانبًا وقال بصوت منخفض.
“أعتذر لإخافتك، كنت فقط أريد أن أطلب منك ربط يديّ.”
“ماذا؟ ربطك؟ لماذا؟“
أغلق راينر عينيه ببطء ثم فتحهما، محدقًا بسيسيليا.
“لأن هذه الغرفة تحمل ذكريات سيئة. وخشيت أن أعيد رؤية كوابيس تلك الليلة.”
“كوابيس…؟“
أومأ راينر برأسه ببطء.
“نعم، لقد كانت هذه الغرفة حيث قامت الدوقة العظيمة بتعليم الصبي المنحرف… أي أنا، بطريقة صارمة.”
توقفت سيسيليا لحظة.
لم يسبق له أن تحدث عن ماضيه بهذا القدر من الصراحة.
أشار برقبته نحو زاوية الغرفة، مكان عادي لا تحتوي على أي أثاث.
“هناك، تلقيت الضرب أكثر من أي مكان آخر.”
“يا للعجب…”
تذكرت سيسيليا صورة راينر الصغير، محني الرأس، محتضنًا نفسه في زاوية الغرفة، فتوجعت قلبها.
“يجب أن نقي الأمور المحتملة. على الأقل أنتِ لا بد أن تكوني بخير.”
لكن تغيير الغرفة قد يثير الشائعات، لذلك كانت هذه أفضل خطة.
كان صوته هادئًا، لكن أطراف أصابعه ترتجف قليلًا.
“راينر…”
اقتربت سيسيليا منه.
شعرت بالخجل والاعتذار على سوء فهمها.
ابتسم راينر بخفة.
“إذن، هل انتهى سوء الفهم؟ هل ستربطين يدي الآن؟“
“لن أربطك.”
لمست سيسيليا معصمه برفق.
“سنقضي الليلة في نفس الغرفة، فإذا رأيت كابوسًا، سأوقظك.”
“قد يكون ذلك خطيرًا.”
“إذا كان هناك أي خطر، سأصرخ، وسيأتي أحدهم لمساعدتنا.”
“لن يكون سهلاً.”
ابتسم راينر بابتسامة مريرة.
“ذلك الباب، مُجهز لعزل الصوت.”
“ماذا؟“
“لأن الدوقة العظيمة لم ترغب أن يسمع أحد صراخي.”
“…حقًا إنها قاسية للغاية.”
قطبت سيسيليا حاجبيها.
إليز هي من أخطأت، فلماذا عليه أن يحمل جراحه طوال حياته؟
“على أي حال، لن أربطك اليوم. لذا نام الآن، راينر.”
“إذن سأجلس على الأريكة—”
“لا.”
هزت سيسيليا رأسها بخفة وأمسكت بمعصمه لتقوده بعيدًا.
“لا تقلق. أنا معتادة على الضرب، ويمكنني تفاديه بسرعة في أي وقت.”
“تتحدثين بهذا الوقت—”
“لأن وجودي بجانبك سيكون أفضل في حال حدوث أي طارئ. أم هل، معقول، أنك ترفض النوم في نفس السرير معي؟“
“……”
وقف راينر عاجزًا عن الرد على سؤال سيسيليا الأخير.
هل تدرك هذه المرأة دومًا كيف تظهر أمامه في مثل هذه اللحظات؟
“……مستحيل.”
هزّ راينر رأسه في النهاية.
ابتسمت سيسيليا ابتسامة خفيفة.
“إذًا، لنأخذ كلانا قسطًا من الراحة. فقد مرّ علينا يوم مليء بالأحداث، ونحن متعبان.”
****
‘إليز… كانت أكثر خبثًا مما توقعت.’
في عمق الليل، كانت سيسيليا تتأمل جانب راينر وهو نائم بجانبها.
تنفسه منتظم وهادئ، لكن كتفيه لا يزالان متوترين.
شعرت سيسيليا بشيء من الأسى تجاهه.
‘لو كانت تكرهه هكذا، لكان من الأفضل ألا تتولى أمره…’
راينر كان قادرًا على النمو والتألق دون خلفية هايز النبيلة.
‘ربما كان يجب أن أرفض المجيء إلى هنا.’
فكرت سيسيليا أنها استجابت بسرعة لطلب راينر الذهاب إلى العقار، وربما كان بالإمكان تفادي هذا الموقف مهما بررت إليز الأمر بسلطة البلاط الإمبراطوري.
شعرت وكأنها غمرت جراحه دون قصد.
‘…لا، حتى لو ندمت الآن، فلن يتغير شيء.’
مدّت سيسيليا يدها بحذر وسحبت البطانية لتغطي كتفه.
كانت عيناها تتلألأ بعزم.
‘غدًا سأذهب إلى غرفة السجلات. يجب أن أعرف كل شيء، ولو كان ذلك من أجل راينر فقط.’
****
في صباح يوم بدء الصيد الكبير، كان عقار هايز يعج بالتحضيرات منذ وقت مبكر.
تجمع أفراد الأسرة النبيلة وموالونها عند مدخل الغابة، والخيول مصطفة بجانبهم.
كانت الكلاب الصيادة مربوطة ومتوترة، تنبح بحماس.
“واههاهاها!”
ضحك إيفان بصوت عالٍ وكأنه يريد أن يسمعه الجميع.
منذ وصوله للعقار، كان في غاية الحماس.
‘إذًا، كل هؤلاء جاءوا هنا ليروا ويعجبوا بي!’
التفت إيفان حوله بوجه مغرور، عاد كبرياؤه المقهور في بلاط العاصمة إلى الظهور تدريجيًا.
“إيفان! تبدو رائعًا اليوم أيضًا!”
ابتسمت روزينا، وهي تقف بجانبه، ورافقت إيفان بحركات مبالغ فيها، صاخبة بصوت عالٍ.
“يجب أن تفوز اليوم!”
“لا تقلقي! سأصطاد أكبر فريسة اليوم، فانتظري النتائج!”
عندما تحوّلت أنظار الجميع إليهما، ضحكت روزينا أكثر وعانقت ذراع إيفان، ثم قبلت خده أمامهم جميعًا.
ارتسمت بعض علامات الاشمئزاز على وجوه الحاضرين، لكن لم يكترث الاثنان بذلك.
ابتسمت سيسيليا في صمت، وهي تراقب المشهد من بعيد.
‘حقًا، مثيرون للإزعاج.’
لو كان هذا في بلاط بريسّن، لكانت سيسيليا قد وبّختهم للحفاظ على الرقي، لكن هنا كانت إليز حاضرة، ففضلت التواضع.
جاءت سيسيليا إلى هنا لأمر محدد، لا لإثارة مشاحنات مع إيفان أو روزينا.
استدارت سيسيليا ونظرت إلى جانبها، حيث كان يقف راينر مرتديًا زيه الخاص بالصيد.
لاحظت أن أزرار كمّاه كانت مفتوحة.
“لحظة، راينر.”
مسكت سيسيليا معصمه بحذر وربطت الزر المفتوح.
“تم الأمر. انتبه لنفسك أيضًا.”
“شكرًا لك.”
“هذا واجب طبيعي، وليكن صيدك موفقًا أيضًا.”
“هذا أيضًا أمر طبيعي…”
ابتسم راينر بخفة ونظر إلى جانبهم، حيث كان إيفان وروزينا لا يزالان في حالة صخب ومغازلة صاخبة.
“راينر…؟“
عندما لم يجب، نظرت إليه سيسيليا متسائلة.
أشار راينر بابتسامة مرحة نحو إيفان وروزينا.
“كما قالت زوجتي، لا أريد أن أخسر أمامهم شيئًا.”
“ماذا؟ ماذا قلت؟“
اتسعت عينا سيسيليا بدهشة، فأشار راينر بإصبعه السبابة إلى خده.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 35"