جلست سيسيليا وهي تحتضن جيريمي، يتأملان معًا المنظر عبر النافذة.
لقد كبر الطفل قليلًا، وأصبح قادرًا على التقلب بمفرده، وزاد فضوله بشكل ملحوظ.
“ياااه!”
عند رؤية الطائر يمر بجانب النافذة، حرك جيريمي يده الصغيرة المضمومة بفرح.
وبينما كانت سيسيليا تداعب وجنتيه الناعمتين، ابتسمت هي أيضًا.
لكن هذا الابتسام لم يدم طويلًا.
سرعان ما ارتسم على وجهها الجدية.
‘…لا تزال المعلومات حول وفاة ماريانا صعبة المنال.’
أرسلت ويندي بالأمس للحصول على المعلومات، لكن لم تحصل على شيء يُفيد.
‘سيدتي، لقد تحققت بشأن حريق منتجع منزل الدوق هايز. كان هناك تحقيق واسع بأمر الدوق كينيث هايز، لكن الأمر انتهى بأن الحادث كان نتيجة الإهمال بعدم إطفاء الشموع فقط.’
‘هذا كل شيء؟‘
‘نعم، مهما أعطيتهم مالاً إضافيًا، قالوا إنهم لا يعرفون أكثر من ذلك.’
‘غريب… لا يمكن أن يكون الأمر بهذه السهولة…’
المصدر الذي لجأت إليه سيسيليا كان في حياتها السابقة قد تفاوض مع إليز بشأن وفاة ماريانا.
واليوم، أرادت سيسيليا أن تسبق الآخرين في الحصول على المعلومات.
‘ربما لم يحن الوقت بعد.’
أطلقت سيسيليا تنهيدة غير راضية بأسنانها.
لم يكن لديها الجرأة لملاقاة راينر بعينيها.
فقد صبر على الإشاعات بعد أن تبنى إيفان، وكان يتحمل الصمت عن كل ما يُقال.
لو لم يكن عقدها معه قائمًا، لما حدث أي شيء.
لذلك رغبت سيسيليا في أن تكون عونًا له بأي شكل من الأشكال.
‘حتى مع تدخل الدوق كينيث في التحقيق، لم يظهر أي دليل… لقد طُمست الحقيقة بدقة شديدة.’
الشخص الوحيد الذي يمكنه القيام بهذا الفعل لم يكن سوى إليز.
ولم تكن ثقتها بسيسيليا مجرد إحساس؛ فوجه إليز الشاحب عند قراءة الرسائل من المصدر لا يزال حيًّا في ذهنها.
في ذلك اليوم، كانت سيسيليا تتلقى توبيخًا بشأن الطفل، فظلّت الذكرى حية.
‘كنت قد تحققت بالتأكيد من أرشيف القصر حينها…’
ربما كان عليها التسلل مباشرة إلى معقل إليز.
وفكرت أن الوقت قد حان لمناقشة الموضوع مع راينر.
“ها أنتِ هنا.”
سمعت صوتًا منخفضًا وحازمًا من الباب.
وقف راينر مرتديًا قميصًا خفيفًا، وذراعيه متشابكتين.
حين التقت أعينهما، أومأ برأسه بخفة واقترب.
وطبعت يده على وجنة سيسيليا بشكل طبيعي.
“راينر؟“
“هل انتفاخ الوجه قد انخفض كثيرًا؟“
“آه، الانتفاخ…”
احمرّت وجنتا سيسيليا خجلًا.
منذ أن صفعَت نفسها أمام أسرة أوزبورن، كان راينر يتحقق من وجهها كلما رآها.
مرّر أطراف أصابعه على وجنتها برفق.
“لا تفعلي شيئًا كهذا بسبب أوزبورن بعد الآن. الأفضل أن تخبريني مباشرة.”
لم تندم على الصفعة الجريئة، لكن اهتمام راينر أحرجها قليلًا.
ربما لأنه يهتم بوجه سيدة حساسة مثلها.
“لقد أصبحت الأمور بخير الآن. في الحقيقة، لم تكن الصفعة قوية جدًا.”
“……”
عبس راينر قليلًا، لم يكن المهم شدة الصفعة.
ثم استقبل جيريمي بحذر في حضنه.
“جيريمي هايز.”
ارتسمت على شفاهه ابتسامة مرحة وهو ينادي الطفل.
“لا أظنّني أستطيع موافقة جدّتكَ العنيدة في هذا الرأي. ما رأيكَ أنت؟“
“جـ، جدة؟“
اتسعت عينا سيسيليا دهشة.
ضحك راينر بخفة على رد فعلها.
“أليست كذلك؟ ما دام إيفان هايز قد أصبح ابننا، فابنه جيريمي هو حفيدنا.”
“هذا… صحيح، لكن…”
اعترفت سيسيليا في نفسها، وأصدرت صوتًا خافتًا من الدهشة.
لم تصبح أمًا في حياتها السابقة، والآن تُدعى جدّة.
“ياااه!”
لم يكن لدى جيريمي أدنى فكرة بما يجول في خاطر سيسيليا، فابتسم فقط وهو في حضن راينر.
تبادل راينر النظرات بلطف بين الطفل وسيسيليا.
ثم وضع جيريمي برفق في المهد وفتح فمه للحديث.
اختفت الملامح المرحة، وعاد إلى جديته السابقة.
“سيسيليا.”
“نعم؟“
“علينا التوجّه إلى عقار هايز. إليز تعتزم إقامة مأدبة صيد من أجل إيفان.”
رفع راينر رأسه بتعبير يشي بعدم الرغبة.
“في المعتاد، كنت لأتجاهل الأمر ولا أرسل إيفان… لكن هذه المرة بعث جلالة الإمبراطور برسالة تهنئة رسمية للشاب.”
“لقد أبدعت السيدة الكبرى في ترتيب الأمر.”
“نعم.”
أومأ راينر برأسه بتذمر، بينما ارتسمت على شفتي سيسيليا ابتسامة خفيفة.
‘إنها فرصة للاطلاع على قصر السيدة الكبرى.’
وكانت المناسبة مناسبة تمامًا؛ فكونها مأدبة صيد في الهواء الطلق يقلّل من أعين المراقبين داخل القصر، وهو شرط مثالي من كل النواحي.
ابتسمت سيسيليا لراينر بابتسامة حاسمة.
“لا تقلق كثيرًا يا لاينر. على أي حال، كان لا بد لنا يومًا من القدوم.”
****
وبعد عدة أيام، حان موعد التوجه إلى عقار هايز.
اصطفّت عدة عربات في حديقة القصر.
“لماذا لا يمكن أخذ جيريمي معنا؟“
أمام إحدى العربات، كانت روزينا مرتدية ملابس فاخرة، تضغط على هاري بعنف.
“إنها مناسبة رسمية لتحية كبار الأسرة، فكيف يُترك جيريمي، أحد أفراد القصر، خارجها؟“
منذ أن سمعت روزينا عن دعوة إليز، كانت تنتظر هذا اليوم بفارغ الصبر.
فرأت فيه فرصةً ذهبية للتحرر من الإهانة اليومية في منزل الزوجية.
‘عليّ أن ألفت انتباه السيدة الكبرى بأي ثمن!’
ولتحقيق ذلك، كان جيريمي ضروريًا.
فإذا اعترفت إليز بجيريمي كخليفة لهايز، فستتعزز مكانتها كأمه بشكل طبيعي.
لكن هاري هزّ رأسه بحزم.
“الطفل لم يبلغ عامًا بعد، والمسافة إلى الأملاك تستغرق ثلاث ساعات أو أكثر بالعرابة، ومن الصعب على طفل صغير تحمل ذلك.”
“هاه! وأنا أمّه، وتريدني أن أذهب وأترك طفلي خلفي؟“
“إذًا فلتبقَ زوجةُ الدوق الشاب هنا. سأتحدّث أنا إلى سموّ الدوق.”
“ماذا قلت؟ كيف تجرؤ على مخاطبتي بهذه الوقاحة—!”
عندما كانت روزينا على وشك الصراخ، سمعت صوتًا واضحًا من الخلف.
“روزينا.”
ما إن استدارت روزينا، حتى رأت سيسليا تتقدّم نحوها.
تحت بريق عينيها الباردتين، انكمشت روزينا على نحوٍ غريزي وتراجعت خطوةً إلى الخلف
“لا… أنا…”
“مسألة جيريمي كانت بتوصية الطبيب المختص، ووافق زوجي أيضًا. فبأي حق تُصرّين على موقفك؟“
“……”
لم تجب روزينا، مكتفية بعضّ شفتيها.
ومن المنطقي أن أخذ طفل رضيع في رحلة طويلة بالعربة مخاطرة.
لكن روزينا لم تراعي سلامة الطفل، فكررت موقفها بأن الطفل ملكها فقط.
نظرت سيسيليا إليها بازدراء.
‘كيف لأم أن تراى ابنها مجرد أداة فقط؟‘
كانت نوايا روزينا واضحة. فرض سيطرتها على جيريمي بأي ثمن.
لكن حتى لو كان ذلك صحيحًا، يجب على الأم أن تضع سلامة الطفل فوق كل اعتبار.
هذا الطفل الذي كانت تشتاق إليه في حياتها السابقة.
لذلك لم تستطع سيسيليا تحمل موقف روزينا.
“ماذا ستفعلين؟ إذا واصلت إثارة الشغب، سأترككِ هنا. سأخبر السيدة الكبرى أنك لم تكتسبي بعد الخبرة الكافية للظهور أمامها.”
“هـ… هذا…!”
رفعت روزينا رأسها بدهشة، كانت فرصة انتظرتها طويلاً!
“حـ… حسنًا، سأذهب…”
في النهاية، خفضت روزينا رأسها بخنوع، إذ كان الخسارة لها.
“إذن اصعدي إلى العربة. بسببك، تأخرنا في الانطلاق.”
أومأت سيسيليا لهاري، ثم استدارت ومضت بعيدًا.
“ها!”
ركضت روزينا وهي غاضبة إلى العربة، حيث كان إيفان مسترخياً بلا مبالاة.
التعليقات لهذا الفصل " 33"