استمتعوا
لو كانت أيّ سيدةٍ عاديّة، لرأت رجلًا يحطّم الغرفة ويهتاج، لارتعبت وصرخت أو أغمي عليها.
لكن سيسيليا بقيت إلى جوار راينر طوال الليل.
هل يوجد في هذا العالم امرأة كهذه حقًّا؟
لم يكن بوسع هاري أن يدع هذه الفرصة تفلت.
“سمو الدوق.”
تقدّم هاري نحو المكتب، وأسند كفّيه عليه.
غدا تعبير وجهه جادًّا إلى أبعد حد.
“مهما يكن، ينبغي أن تعتذر أولًا للسيدة. ويفضّل أن يكون ذلك مع هدية أنيقة. فالزوج لا بدّ أن يتذلّل لزوجته بلا قيد إن أراد الحفاظ على سلام الأسرة.”
أليست هذه حقيقة خالدة؟
ورايـنر، ما دام رجلًا، فلن يستطيع الإفلات منها.
نظر هاري إلى راينر بعينين متلألئتين.
تنفّس راينر زفرة طويلة.
“…هاري.”
لمعت عينا هاري.
هل قرّر أخيرًا أن يراجع نفسه؟
لكن راينر نهض من مكانه على الفور.
“يبدو أنك في الآونة الأخيرة أصبحت فارغًا، فلا يخطر ببالك سوى الأفكار السخيفة.”
“ماذا؟ أنا؟ فارغ؟ هذا غير معقول—”
“حسنًا، جاء الأمر في وقته. راجع جميع هذه التقارير اليوم.”
وضع راينر رزمة ثقيلة من الملفات على مكتب هاري بارتطامٍ مكتوم.
كانت تقارير واردة من إقليم هايس.
اتّسعت عينا هاري حتى كادتا تبرزان.
“ماذا؟ كلّها؟ اليوم؟ هذا مستحيل!”
رفع هاري نظره إلى راينر بعينين واجمتين.
لكن راينر اكتفى بإيماءة باردة.
ضغطٌ صامتٌ يأمره بالعمل.
“يا إلهي… لم أقدّم سوى نصيحة من أجل أسرة سعيدة، فإذا بك تعاقبني بهذا الشكل…”
يا له من رجل بارد لا يعرف شيئًا عن معاملة السيدات.
تمتم هاري ساخطًا.
لكن راينر لم يكن يستمع.
كان يعبث بأزرار كُمّه وقد غرق في أفكاره.
“…”
في الحقيقة، كان يدرك جيّدًا أنه يتعنّت بلا داعٍ.
فمنذ البداية، كان يحتاج إلى مساعدة سيسيليا لإسقاط إليز.
وكان الأجدر به أن يحافظ على علاقة ودّية معها.
فبناء الجدران على هذا النحو لا يفيده في شيء.
‘لكن…’
كان ذلك باطنه الذي لم يُظهره لأحدٍ قط طوال تلك المدة.
وقد انكشف، ويا للسخرية، أمام زوجةٍ مزيّفة لا يتجاوز عقدها ثلاث سنوات
وقبل كلّ شيء—.
‘هل أنت بخير؟ كنتُ قلقة عليك منذ الليلة الماضية…’
جلوسها على سريره بلا حذر، لا تدري كيف يبدو منظره وهو لا يرتدي سوى ثياب النوم.
شعر راينر بالاشمئزاز من نفسه لأنه عاجز عن محو ذلك المشهد من ذهنه.
“…سموك.”
“…”
“سموك الدوق؟“
أفاق راينر فجأة على نداء هاري.
حينها فقط أدرك أنه كان يقبض على يده بإحكام.
أنزل ذراعه متظاهرًا بالهدوء.
“ما الأمر؟“
“هنا، ألقِ نظرة على هذا من فضلك.”
ناول هاري، وقد استسلم لقدره، التقرير الذي كان يراجعه.
أخذه راينر على الفور، لكن الكلمات لم تدخل عينيه.
طفا فوق الأوراق وجه سيسيليا، بعينيها المتّسعتين من شدّة الدهشة أمام كلماته القاسية.
‘…سأفقد صوابي.’
أهي عقوبةٌ لنيله العناد؟
أسند راينر ظهره إلى الكرسي، وغطّى جبينه وعينيه بيده.
مال هاري برأسه متسائلًا.
“سمو الدوق؟ هل تشعرون بتعبٍ ما؟“
“هاري.”
“نعم؟“
“إذًا… هل يتحسّن مزاج النساء فعلًا إذا قدّمتَ لهنّ هدية؟“
أضاء السؤال غير المتوقّع عيني هاري.
“بالطبع! اخبرني فقط، وسأخرج حالًا لأحضّر كلّ شيء. أيّ نوع تفضّل؟“
“هدية، إذًا…”
فكّر راينر قليلًا، ثم هزّ كتفيه.
لم يفكّر يومًا في هدية تُسعد امرأة.
رأى أن الاتّكال على هاري، الذي خاض ولو علاقات قصيرة، أَولى.
“أيّ شيء. ليكن كبيرًا، باهظ الثمن، ومرئيًّا للجميع.”
****
‘هل إلى هذا الحدّ يجب أن يضع مسافة بيننا؟‘
كما قال هاري، بدأت سيسيليا تشعر بخيبة خفيّة من برودة راينر في الآونة الأخيرة.
ظنّت في البداية أنّ الأمر مؤقّت.
لكن مضت قرابة عشرة أيّام على حادثة غرفة النوم، ولم تتغيّر قسوته.
‘صحيح أننا لم نكن مقرّبين من الأصل، لكن…’
مع ذلك، أليس من الواجب الحفاظ على علاقة ودّية ما دام بينهما عقد؟
وفوق ذلك، لقد سهرت إلى جانبه طوال الليل وهو يتألّم!
بدل الشكر، لم تنل سوى تجاهلٍ بارد.
‘راينر، هل أنت مشغول جدًّا؟‘
‘نعم.’
‘إن تيسّر لك الوقت لاحقًا، هل نحتسي الشاي معًا؟ هناك ما أودّ قوله—’
‘العمل كثير. لِنؤجّل ذلك.’
جلست سيسيليا وحدها في الحديقة، ترتشف الشاي وتضحك بمرارة.
لقد مدت يدها بشجاعةٍ لا بأس بها.
لكن بعد كثرة الرفض، بدأ الغيظ يتراكم في صدرها.
‘من الآن فصاعدًا، حتى لو زحف على أرض الممرّ، فلن ألتفت إليه.’
عزمت سيسيليا على ذلك، وقرّرت ألّا تشغل بالها أكثر.
فلديها خططها القادمة أيضًا.
‘قريبًا سيظهر لإيفان مشروع تجاري مذهل.’
بعد أسابيع قليلة، سيحقق إيفان نجاحًا باهرًا بأوراق شاي مستوردة من القارّة الشرقية.
في حياتها السابقة، ذاع صيته لفوائده الجمالية للبشرة، حتى لُقّب بـ‘شاي المخمل‘، وبيع بيعًا هائلًا.
وبطبيعة الحال، انشغل إيفان، وبقيت سيسيليا طوال فترة الزواج تنظر إلى ظهر زوجٍ دائم الانشغال.
‘وإن فكّرت الآن، لا أدري إن كان مشغولًا حقًّا.’
لا بدّ أنه كان يتّخذ العمل ذريعة للقاء روزينا في غير مرّة.
على أيّ حال، نجاحه آنذاك حقيقة، ولهذا قرّرت أن تنتزعه في هذه الحياة.
‘ما دام قد نجح بالسمعة، فليَسقط بالسمعة.’
وبينما كانت تغرق في تخطيطها، سمعت تمتمة ويندي.
“أوه؟ ما هذا؟“
وفي الوقت نفسه، ساد الاضطراب أحد أركان الحديقة.
“هَيّا، انتبهوا! بحذر! من هنا!”
رفعت سيسيليا رأسها، فرأت هاري يوجّه العمّال بحماس.
وكان العمّال ينقلون شيئًا ثقيلًا.
“يا له من جمال!”
همست ويندي بإعجاب.
كان ما يحملونه بيانو كبيرًا أبيض ناصعًا يسرق الأبصار.
حدّقت سيسيليا بالمشهد في ذهول.
“آه، سيدتي.”
اقترب هاري بوجهٍ مشرق.
“هذه هدية أعدّها سمو الدوق. اخترنا أجود الأنواع، فما رأيكِ؟“
“ماذا؟ أهذا لي؟“
اتّسعت عينا سيسيليا.
ومع ردّ فعلها، ازداد هاري ابتسامًا وأومأ برأسه مرارًا.
“نعم! فالدوق يرغب في أن تعود العلاقة طيّبة بينكما—”
“هاري.”
توقّف هاري، الذي كان يشرح بحماس، عند الصوت القادم من الخلف.
كان راينر قد وصل دون أن يشعر به أحد.
نهضت سيسيليا فورًا، لكن راينر ظلّ يحدّق في هاري وحده.
“هل أنهيتَ جميع التقارير الواردة من الإقليم؟“
“ماذا؟ لقد أُجّلت بسبب هذا الأمر.”
“لا أذكر أنني أمرتُ بتأجيلها. اذهب واعمل.”
“آه، هذا قاسٍ…”
غادر هاري، الذي كان يقفز فرحًا قبل لحظات، وقد تهدّلت كتفاه، متّجهًا إلى القصر.
وبقيت سيسيليا واقفة، لا تزال مذهولة.
“أحقًّا تهديني ذلك البيانو؟“
حينها فقط، توجّه نظر راينر إليها.
توقّف للحظة وهو يواجه عينيها الخضراوين، بلون الخُضرة اليانعة.
“نعم. هو اعتذار عمّا جرى.”
همّ أن يضيف شيئًا، ثم أغلق فمه.
لم يسبق له في حياته أن قدّم هدية لأحد، فضلًا عن امرأة.
وفوق ذلك، كانت العلاقة بينهما باردة حتى هذا الصباح، فازداد شعوره بالحرج.
“آه…”
ارتسمت الدهشة على وجه سيسيليا.
كانت قد أقسمت قبل قليل ألّا تهتمّ بأمره.
لكن ذلك العزم ذاب كما يذوب الثلج.
نظرت إلى البيانو مرّة أخرى، غير مصدّقة.
قال راينر بحذر.
“إن لم يعجبكِ، يمكننا استبداله بشيء آخر—”
“لا، لا! أبدًا!”
لعدم صدور ردّ فوري، ظنّ راينر أنها لم تُعجب بالهدية.
هزّت سيسيليا رأسها بقوّة.
“أعجبني! بل أكثر مما أستحق.”
ابتسمت سيسيليا ابتسامة متردّدة.
لقد مضى زمن طويل منذ أن أهدى أحدهم شيئًا من أجلها وحدها.
لم تكن تعرف كيف تُعبّر عن فرحها في مثل هذه اللحظات.
لكنها شعرت وكأن جرحًا قديمًا في صدرها يُغسَل أخيرًا.
“سأتدرّب كلّما سنحت الفرصة، حتى أصبح أعظم عازفة في بريسن.”
قالت ذلك وهي تقبض على يدها بإحكام.
كان ذلك أقصى ما استطاعت التعبير عنه.
“سأنتظر ذلك.”
كان هذا كافيًا لراينر.
وهو يراها تلمع عيناها بالعزم، ارتسمت ابتسامة على شفتيه.
لأوّل مرّة، شعر أنّه بدأ يفهم.
لماذا يرغب الرجال في إسعاد السيدات.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 18"