استمتعوا
“…أنتِ.”
تسرّب تمتمٌ خافت من بين شفتي راينر.
رمقته سيسيليا وهي ترفّ بعينيها.
ذلك الرجل الذي كان دائمًا قويًّا، واثقًا، ومطمئنًّا، بدا الآن واهنًا إلى حدٍّ مؤلم.
‘…لو أنّك فقط أرخيت قبضتك.’
حاولت سيسيليا لَيَّ معصمها لتفلت، لكن يد راينر كانت محكمة كالأغلال.
“لا… تذهبي… نحن… نهرب… أرجوكِ… أنقذينا…”
كانت سيسيليا تئنّ وهي تحاول سحب يدها، لكنها رفعت رأسها عند أنينه.
دمعة انحدرت من عينه، وسالت على وجنته.
هل كان يرى كابوسًا؟
‘…لو علم أنني رأيته على هذه الحال، فسيغضبه ذلك بلا شك.’
كان عقلها يحذّرها بإلحاح أن تغادر فورًا.
لكنها لم تستطع أن تتركه وهو في هذا الضعف.
رفعت سيسيليا يدها بحذر، ومسحت على وجنته برفق.
“لا بأس، راينر. أنت بأمان هنا.”
مع صوتها اللطيف، لانَت ملامحه قليلًا.
هذه المرّة، أخذت سيسيليا تربّت على صدره ببطء.
كما كانت تفعل قديمًا حين تُنيم جيريمي.
“هاه…”
يبدو أنّ للأمر أثرًا، إذ بدأ نَفَسه اللاهث يستقيم تدريجيًا.
وعاد شيء من الهدوء إلى ملامحه.
“لكن الحُمّى ما زالت مرتفعة…”
تمتمت سيسيليا بصوت منخفض وهي تلمس جبينه.
ثم نزعت يد راينر عن معصمها برفق.
وسحبت الغطاء لتغطي كتفيه.
وطوال ذلك، لم ترفع عينيها عنه.
‘كان ينبغي أن أعود إلى غرفتي الآن…’
لكنها لم تستطع النهوض.
ذلك الجانب الضعيف الذي رأته للمرة الأولى أثقل قلبها.
وبعد تردّد قصير، مدّت يدها مجددًا وأمسكت بيده.
‘سأبقى قليلًا فقط. قد ترتفع حرارته مجددًا. خمس دقائق… لا، ثلاث دقائق فقط.’
نعم، هذا فقط للاطمئنان على حرارته.
****
في صباح اليوم التالي، فتح راينر عينيه ببطء.
أول ما وقع عليه بصره كان سقف غرفة نومه المألوف.
وسرعان ما داهمه صداع حاد، فعقد حاجبيه.
“…تبًّا. أكان ذلك الحلم مجددًا؟“
أنَّ أنّة خافتة، ورفع يده ليضغط على عينيه.
كابوس اليوم الذي توفّيت فيه والدته ماريانا كان يلاحقه بين حين وآخر.
يناديها بيأس وسط ألسنة اللهب، ثم ينهار السقف فوقه.
المشهد ذاته، يتكرّر بلا تغيير.
وفي الصباحات التي تلي تلك الأحلام، كان يصحو غالبًا في مكان غير سريره.
“…”
لكن هذا الصباح كان مختلفًا.
صحيح أنه كان ممدّدًا عرضيًا، لكنه بلا شك على السرير.
‘هل هو هاري؟ يا له من تصرّف أحمق…’
استنشق راينر نفسًا قصيرًا محاولًا النهوض.
لو كان هاري قد تدخّل بلا داعٍ، فقد كان عازمًا على توبيخه.
“…يد؟“
عندها، أدرك فجأة أنه يمسك بيد شخصٍ ما.
اتّسعت عيناه دهشة.
“…سيسيليا؟“
كانت ممسكة بيده بإحكام، منكمشة على السرير، نائمة بعمق.
انسدل شعرها الطويل على كتفيها بنعومة.
قطّب راينر حاجبيه، غير قادر على استيعاب الموقف.
‘هل يُعقل… أنها رأت كل شيء؟‘
لم يكن يتذكّر شيئًا، لكن فوضى غرفته كلّ مرة كانت كافية لتخبره بما يفعله ليلًا.
واليوم لم يكن استثناءً.
رأس السرير كان مشوّهًا من شدّة الركل.
“تبًّا.”
غطّى راينر وجهه بيده.
هاري، العارف بكلّ شيء، لم يكن ليتدخّل في أمر كهذا.
شعر وكأنّ ستره قد كُشِف، ولم يدرِ ما الذي ينبغي فعله.
“أم…”
في تلك اللحظة، تحرّكت سيسيليا قليلًا.
سحب راينر يده على عجل.
وفي اللحظة نفسها، ارتجفت أهدابها، وانفتحت عيناها الخضراوان اللامعتان.
رمشت قليلًا، ثم جلست فجأة وقد اتّسعت عيناها.
“يا إلهي… راينر!”
بدت هي الأخرى مذهولة من كونها نامت هنا.
سحبت حمالة كتفها المنسدلة بسرعة.
ومع ذلك، تفحّصته بنظرة قلقة.
“هل أنت بخير؟ لقد كنتُ قلقة عليك طوال الليل…”
“…”
حدّق راينر بها بصمت.
كان قميص نومها الرقيق يلتفّ حول جسدها بنعومة.
مشهد لم يألفه قط، ولم يشاركه من قبل.
“…”
أدرك فجأة أن نظره انساب بلا وعي على كتفها، وعنقها، وذراعها، فأدار رأسه على عجل.
ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن يتكلّم بصوت منخفض.
“لقد تجاوزتِ حدودك.”
كان صوته جامدًا حادًّا.
فتحت سيسيليا عينيها بدهشة.
“…ماذا؟“
“ألم نتّفق على عدم اقتحام المساحات الخاصة؟“
نهض راينر، وخلع قميصه المبتلّ بالعرق بعصبية.
بدت عضلات ظهره العريضة مشدودة، منحوتة بصلابة.
ومع ضوء الفجر المنعكس من الخلف، بدا كحاكم حربٍ خارج من أسطورة.
لكن ملامحه وهو يرتدي قميصًا جديدًا كانت قاسية.
“هذا النوع من التدخّل… مزعج للغاية.”
“…”
أهذا ما يُقال لمن سهر إلى جوارك طوال الليل؟
ضيّقت سيسيليا عينيها.
‘هل أردّ عليه؟‘
وهي التي بذلت جهدًا كبيرًا لنقله إلى السرير.
لولاها، لربما قضى الليل على الأرض الباردة وأصيب بالمرض.
بدل الشكر، يوبّخها؟
‘…لا، سأتروّى.’
رغبت في محاسبته على كلّ كلمة، لكنها تماسكت.
فهو، في نهاية المطاف، حليفها.
وكردٍّ على مساعدته لويندي، قرّرت أن تتحلّى بسعة الصدر مرّة واحدة.
“آسفة، راينر. لم أقصد سوى—”
لكن في تلك اللحظة، فُتح باب الغرفة بعنف.
“سمو الدوق! وصلت رسالة عاجلة من بيت الماركيز غينيفير— آه، السـ، السيدة هنا.”
تجمّد هاري في مكانه وقد ارتسم الحرج على وجهه.
كان قد خاض مع راينر ميادين القتال، فلم يكن يتحرّج من دخول غرفة نومه.
لكن وجود سيسيليا هنا؟ لم يخطر بباله.
‘ماذا؟ أليست مجرد زواج تعاقدي؟ أم أنهما…؟‘
هل اقتحم لتوّه صباحًا “زوجيًّا” لرئيسه؟
وقف هاري متردّدًا لا يعرف أين يضع قدميه.
تنفّس راينر بحدّة، ومسح وجهه بيده.
ثم نظر إلى سيسيليا بعينين باردتين.
“تفضّلي بالانصراف.”
****
“تفضّلي بالانصرافووو.”
في المكتب، قَلّد هاري صوت راينر بشفاهٍ مزمومة.
قطّب راينر حاجبيه وهو يراجع الأوراق.
“ما هذا الذي تفعلُه؟“
“أقلّدك كما كنتَ قبل أيام.”
منذ ذلك اليوم، ساد الجفاء الواضح بين سيسيليا وراينر.
كان يتجنّبها صراحة.
وحتى إن خاطبته، اكتفى بهزّ رأسه ببرود، أو تجاهلها تمامًا.
كان هاري، المراقب من الطرف، يوشك أن ينفجر.
‘ظننتُ أخيرًا أن هذا الدوق المدمن على العمل سيعود إلى دفء العائلة.’
صحيح أنه ما زال يصرّ على أنّه زواج تعاقدي فقط.
لكن تصرّفاته معها لم تكن اعتيادية.
ولهذا، علّق هاري آمالًا خفيّة.
لعلّ وجود أسرة يخفّف عنه عبء العمل… وعنّي أنا أيضًا.
‘لكن هذا الدوق الجاف دمّر كلّ شيء!’
منذ تلك الليلة، أصبح يتجنّب حتى دخول غرفة نومه.
وبذل جهدًا واضحًا لتفادي سيسيليا.
وبطبيعة الحال، طال مكوثه في المكتب، وتأخّر وقت خروج هاري.
‘هل اندفع كما فعل عائلة أوزبورن؟‘
حتى هذه الأفكار السخيفة راودته.
“ظننتُ يومها أن هواء الشمال البارد قد وصل إلى بريسن.”
“…”
“أيّ فارس في ليستيا يعامل سيدةً هكذا؟ خصوصًا من قضت الليل معه.”
“قضت الليل؟“
تنفّس راينر بعمق، ثم قال.
“ليس كما تتخيّل. كان هناك ظرف فحسب.”
“ظرف؟ أيّ ظرف…”
وبينما يسأل بدافع الفضول، لمعت فكرة في رأس هاري.
“أهو بسبب ذلك الحلم؟“
“…”
كان صمته تأكيدًا.
انخفض طرفا عيني هاري حزنًا.
كان يعرف أكثر من أيّ أحد كم عانى راينر من الكوابيس.
وربما كان هذا أحد أسباب ابتعاده عن النساء.
‘أيّ امرأة ستبقى بعد أن ترى رجلًا يصرخ باكيًا طوال الليل؟‘
هكذا أجاب راينر يومًا حين سُئل عن سبب عدم زواجه.
‘…لحظة.’
لمعت عينا هاري.
‘لكن السيدة… رأت كل ذلك، ومع ذلك بقيت إلى جواره، أليس كذلك؟”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 17"