استمتعوا
“يقولون إن الغرامة قد دُفِعَت بالكامل بالفعل. بل إن إيفان مارتشي هو من دفعها.”
“نعم، سمعت.”
“يا للخسارة. كان الأجدر أن يُحكَم عليهم بالأعمال الشاقة من الأساس.”
لوّحت ويندي بقبضتها في الهواء بامتعاض.
ابتسمت سيسيليا بخفّة، ثم جلست مجددًا أمام مكتبها.
“……”
على أيّ حال، لم يكن هذا الخبر مُفرِحًا لها هي الأخرى.
كانت تتوقّع تدخّل إيفان، لكنّها لم تتوقّع أن يوفّر ثلاثة آلاف كرون نقدًا بهذه السرعة.
‘يبدو أن أعماله أقوى مما ظننت.’
حتى في حياتها السابقة، لم يكن إيفان يخبر سيسيليا بشيء عن شؤونه الخارجية، متذرّعًا بأن ‘شؤون العمل لا تهمّ النساء‘.
لذلك لم يكن غريبًا ألا تستطيع تقدير حجم ثروته.
لكن لا بأس.
فسيسيليا كانت تعرف مسبقًا ما سيحدث لاحقًا.
‘مهما كان ما يملكه الآن، سأنتزعه منه كلّه في النهاية.’
مقارنةً بخطتها، لم يكن ما جرى اليوم سوى مجرّد تذوّقٍ بسيط.
“على كلّ حال.”
رفعت سيسيليا نظرها إلى ويندي مجددًا.
“هل توصّلتِ إلى أي أخبار عن الأشخاص الذين عملوا في منزل الكونت فانينغ؟“
“آه…….”
ارتسمت على وجه ويندي ملامح الحرج.
فقد مرّ أكثر من عشر سنوات على وفاة الكونت فانينغ.
وبما أنّه توفّي في حادث عربة آنذاك، فقد اقتيد عدد كبير من الخدم للتحقيق.
ومنذ ذلك الحين، تفرّقوا في شتّى الأنحاء.
ولم يكن العثور عليهم مجددًا أمرًا هيّنًا أبدًا.
“أنا آسفة، سيدتي. أحاول قدر استطاعتي، لكن…….”
“لا بأس. لا داعي للعجلة.”
ابتسمت سيسيليا بصعوبة.
كانت في الحقيقة تُحدّث نفسها أيضًا.
فالبداية لم تكن سوى الآن.
‘كونت فانينغ وزوجته… أبي هو من صنع نهايتهما. بل وزوّر الوصيّة مسبقًا، فعاش مترفًا بأموال منزل الكونت.’
لحسن الحظ، ألم تعترف روزينا في حياتها السابقة بكلّ ذلك بلسانها وهي ثملة؟
لم تكن قد عثرت بعد على الدليل، لكن لا بدّ أنّ أثر جرائمهم ما زال موجودًا في مكان ما.
‘أبي… أمي…’
باتت ملامح والديها في ذاكرتها باهتة.
لكن كلّما ازداد ذلك، ازداد حقدها على منزل أوزبورن وضوحًا.
‘سأقتصّ لكم، حتمًا، وأُبرئ مظلمتكم.’
قبضت سيسيليا يدها بإصرار، وملامح العزم بادية على وجهها.
*****
في تلك الليلة.
كان ضوء القمر الأزرق ينساب بهدوء داخل غرفة سيسيليا.
وقفت سيسيليا صامتة عند النافذة.
تدفّقت إلى ذهنها الإهانات التي عانتها في منزل الفيكونت أوزبورن.
‘حتى التعليم الذي يُفترض أن تتلقّاه أي آنسة من أسرة نبيلة، حُرِمتُ منه، بذريعة ضيق الحال.’
ومع ذلك، لم تكن زوجة الفيكونت تُمسك يدها عن شراء الفساتين والمجوهرات.
لو خفّفت إسرافها إلى النصف فقط، لكان بإمكانها تعيين معلّم بيانو واحد لسيسيليا.
كانت سيسيليا دائمًا تراقب روزينا أثناء دروسها، تبتلع غيرتها في صمت.
‘ليا، لا تقفي للمشاهدة فقط. تعالي وجرّبي العزف.’
‘حقًا؟ هل يمكنني؟‘
حين كانت روزينا تمنّ عليها أحيانًا بفتات كرمها، كانت تشعر وكأنها امتلكت العالم بأسره.
لكن حتى ذلك لم يكن يدوم طويلًا.
‘آه، يكفي. ليا، اخرجي الآن.’
‘ماذا؟ لكن المقطوعة لم تنتهِ بعد…’
‘مملّ. هذا البيانو خاصتي، فلا تلمسيه.’
حين لاحظت روزينا أنّ مستوى سيسيليا تجاوزها رغم تلقّيها الدروس، سدّت الطريق أمامها بدافع الغيرة.
‘وقتها، لم أكن أدرك حتى أن ذلك كان تمييزًا.’
لو رأت سيسيليا نفسها القديمة وهي طفلة أمامها الآن، لاحتضنتها دون تردّد.
وبعد أن وقفت صامتة لبرهة، أدارت رأسها.
“……كفى مشاعر لا طائل منها. لقد تأخّر الوقت كثيرًا.”
وبينما كانت تتقدّم نحو الطاولة لإطفاء الشمعة—
دويّ!
اهتزّ جسد سيسيليا بفعل الصوت المفاجئ.
وانعكس نظرها تلقائيًا نحو الجدار الذي صدر منه الصوت.
‘ذلك الاتجاه هو… غرفة راينر.’
كانت غرفة سيسيليا وغرفة راينر متجاورتين، يفصل بينهما جدار واحد.
ومنذ قدومها إلى هنا قبل أسابيع، لم تسمع من غرفته مثل هذا الصوت قط.
‘هل سقط إطار ما؟‘
لكن بالنظر إلى دقّة خدم الدوقية، بدا هذا الاحتمال ضعيفًا.
‘أم أنّه… في وضع لا يستطيع فيه الكلام؟‘
ربما حُمّى مفاجئة، أو وعكة حادّة.
“همم…….”
تردّدت سيسيليا قليلًا.
منذ زواجهما التعاقدي، احترم الاثنان حدود بعضهما بدقّة.
كانا يتشاركان الأماكن العلنية كالفطور أو التنزّه في الحديقة، أمّا الحديث فكان يدور غالبًا حول الخطط المستقبلية فقط.
أي أنّ دخول غرفة النوم ليلًا دون إذن كان أمرًا شديد الخصوصية، لا يليق بعلاقتهما.
دويّ! دويّ!
لكن الأصوات المتتالية الثقيلة لم تترك لها خيارًا.
‘سأتحقّق فقط. وعلى أيّ حال، يجب أن أشكره على ما جرى اليوم.’
وبعد أن حسمت أمرها، توجّهت إلى الغرفة المجاورة وطرقت الباب بحذر.
“راينر، هل أنت نائم؟“
“……”
لم يصلها أي ردّ.
طرقت الباب بقوّة أكبر قليلًا.
“راينر، إن كنتَ في الداخل—”
“……آه.”
تسرّب أنين خافت من خلف الباب.
كان صوت راينر بلا شك.
“راينر!”
فتحت سيسيليا الباب مذعورة.
كانت الغرفة مظلمة، ولا يضيئها سوى ضوء القمر الخافت.
أسرعت تنظر حولها.
“راينر، ما الذي يحدث؟“
لكن السرير كان خاليًا.
رغم أنّ صوته كان واضحًا.
وبينما كانت تنظر حولها بقلق، اتّسعت عيناها فجأة.
“راينر!”
كان راينر جالسًا على أرضية الغرفة بجانب السرير، يلهث أنفاسًا متقطّعة.
كان جسده غارقًا بالعرق، وجبينه متّقدًا بالحرارة.
وكان يضرب صدره مرارًا وكأنّ أنفاسه تضيق.
“هل أنت بخير؟“
اندفعت سيسيليا نحوه دون وعي وأمسكت به.
وفي اللحظة التالية، شهقت.
‘جسده كالجمر!’
كان راينر يهذي من شدّة الحمى.
أمسكت سيسيليا بوجنتيه بكلتا يديها وتفحّصت لونه.
“راينر؟ افتح عينيك قليلًا.”
لكن مهما نادته، ظلّ مغمض العينين بلا استجابة.
وكان الأنين يخرج من بين شفتيه باستمرار.
يبدو أنّ وعيه كان مشوّشًا بسبب الحرارة.
‘يجب أن أُمدّده على السرير أولًا.’
فالهواء الليلي ما زال باردًا، ولا يمكن تركه على الأرض.
لفّت سيسيليا ذراعيها حول خصره محاولةً رفعه.
“آه!”
لكنها أدركت سريعًا أنّ الأمر يفوق طاقتها.
كان جسده أكبر بكثير من جسدها، ونقل رجل فاقد للقوّة وحدها أمر شبه مستحيل.
اختلّ توازن جسديهما.
وانتهى بها الأمر بين ذراعيه.
وقفت سيسيليا متجمّدة، تئنّ وهي تحاول حمله.
“راينر، أرجوك، حاول أن تنهض.”
كان الأجدر بها أن تطلب المساعدة منذ البداية.
ومع شعورها بأن ذراعيها على وشك الانهيار، غمرها الندم.
لكن إن سقطا الآن، فقد تُسحق تحت جسده.
وكان ذلك خطرًا حقيقيًا على جسدها النحيل.
‘لا خيار آخر. سامحني يا راينر، لكن…….’
بما أنّه قويّ البنية، فلا بأس إن رمته على السرير بقليل من الخشونة.
عضّت سيسيليا على أسنانها ونقلت يديها إلى صدره.
مجرد تحريك ذراعيها استنزف ما بقي من قوّتها.
وحين شعرت بصلابة صدره تحت كفّيها، شهقت بخفّة.
“هاه…… راينر، هل أنت مستعد؟“
“……”
لا ردّ، كالعادة.
ربما كان هذا أفضل.
“واحد، اثنان……!”
دفعت سيسيليا بكل ما أوتيت من قوّة.
وتهاوى جسد راينر إلى الخلف فوق السرير.
“هاه…… تمّ الأمر.”
صحيح أنّه سقط بشكل عرضي، لكن المهم أنّه أصبح على السرير.
نهضت سيسيليا تلهث.
“راينر، انتظر قليلًا. سأذهب لإحضار أحدٍ ما—”
لكن—
“آه؟“
أمسكت يد راينر بها فجأة وسحبها.
وسقطت سيسيليا فوق السرير.
“أوه…….”
أغمضت عينيها بإحكام غريزيًا، ثم فتحتهما بحذر.
كان أول ما رأته أزرار قميصه المفكوكة.
كانت مستلقية فوق صدره الصلب، ووجهها ملاصق له.
“را… راينر؟“
اشتعل وجه سيسيليا احمرارًا.
حاولت النهوض مذعورة، لكن يد راينر كانت قد أحكمت قبضتها على معصمها.
وكان ما يزال فاقدًا للوعي، يتصبّب عرقًا باردًا.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 16"