1
الفصل الأوّل.
لماذا كنتُ أحتضر؟
“ما الذي دخل إلى جسد ستيلرنين؟”
“هذه الكميّة ليست جرعة قاتلة بالتأكيد، أليس كذلك؟ منذ طفولتها وهي تطوّر مقاومةً للسموم… ستكون بخير.
لنجرب إعطاءها مزيدًا من المصل التجريبي.”
كنتُ ألهث، أحدّق في الرجلين اللذين يثرثران أمامي.
لم يعد لديّ أيّ إحساس بالزمن، لكن يبدو أنّ أربعة أشهر كاملة قد مرّت منذ خضعتُ للتجارب على جسدي.
خوفًا من أن ألوّح بالسيف، قُيِّدت ذراعاي إلى الخلف بالحبال.
وخوفًا من أن أتمتم بتعويذة، وُضِعَ في فمي كمّام.
حين التقت عيناي بعيني أحدهما، ارتسمت على وجهه لحظةٌ من الشرود الغريب، كأنّه مسحور.
“تلك العينان المرصّعتان…
كلّما نظرتُ إليهما أجد الأمر مدهشًا فعلًا.”
“دعك من هذا وابدأ بالحقن.”
وبعد تلك الكلمات… متُّ.
* * *
‘مرّةً أخرى… عدتُ بالزمن مجدّدًا.’
كانت هذه المرّة الرابعة بالفعل.
قبل تجسديَ، كنتُ من أبناء الفقر المدقع.
لم أتلقَّ مصروفًا يومًا، وكان التسوّق أو تناول الطعام خارج المنزل أمرًا مستحيلًا في بيتنا.
“اشكري الله أنّكِ لم تولدي في أفريقيا!”
كان أبي يصرخ بذلك دائمًا وهو ثمل.
‘أبي، بلدان العالم الثالث تعيش أفضل منّا…
أو على الأقلّ مثلنا.’
كنتُ أبتلع تلك الكلمات وأصمت.
‘أغبطهم.’
في طفولتي، كنتُ أحلم بحياة المشاهير البراقة.
المال الوفير، الجمال، والشهرة.
وماذا عن أبناء الأثرياء؟
ماركات فاخرة، عقارات، أسهم تُورَث لهم دون عناء…
‘على الأقلّ لا يعيشون وهمومهم مثل همومي.’
كنتُ أكره الذهاب إلى المدرسة.
“تعرفين أين تسكن؟ مكان آيل للسقوط.
ليس بيتًا أصلًا، وحتى هذا غالبًا إيجار.”
“يقال إنّها ترتدي الثياب نفسها كلّ يوم.”
“سيّدة الثوب الواحد، سيّدة الثوب الواحد.”
كرهتُ همسات زميلاتي،
فصرتُ لا أختلط بأحد.
طفلة صامتة.
هذا كان لقبي.
هوايتي الوحيدة كانت قراءة الروايات الإلكترونية المجانية إن انتظرتِ قليلًا.
كنتُ أحبّ شخصيّة الشريرة، أكثر من البطلة الطيّبة الملائكيّة، لأنّ تلك الجرأة الوقحة والواثقة بدت لي منعشة كرشفة صودا باردة.
‘لو كنتُ أنا من تجسدتُ بدور الشريرة…
لكنّتُ أفضل بكثير.’
ربّما لأنّني لم أكن واثقة يومًا في الواقع.
أو لأنّني قضيتُ وقتًا طويلًا أعمل في متجرٍ صغير،
أبتسم لزبائن وقحين لا يستحقّون ذلك.
─كان ينبغي أن أقول له إنّ السخرية من الفقر وقاحة.
─كان ينبغي أن أطلب الشرطة بدل الابتسام لذلك الوقح.
كنتُ أستعيد قبل النوم كلّ الظلم الذي تعرّضتُ له.
كان ينبغي أن أفعل.
لكنّني لم أفعل.
وفي يومٍ ما، فتحتُ عينيّ…فوجدتُ نفسي في عالمٍ آخر.
لم أتعرض لحادث، ولا صعقني برق.
وجدتُ نفسي هنا فجأة، بلا سبب.
لكن ربّما لأنّني كنتُ قد سئمتُ الفقر حدّ القرف،
تأقلمتُ بسرعة.
لقد قرأتُ بداياتٍ كهذه مرارًا في الروايات،
وكنتُ أضيق ذرعًا بالبطلات اللواتي ينهَرن بالبكاء.
‘بل إنّني أبدو نبيلة، وجميلة جدًّا، ومن عائلة ثريّة.’
هل سأعيش كشريرة حقيقيّة؟ كنتُ أحلم بذلك.
لكن الحياة ليست بهذه السهولة.
لم يكن هناك عملٌ أصليّ، لكن إن كان لا بدّ من تصنيف هذا العالم، فهو أقرب إلى روايات البؤس.
أي إنّ مستوى النجاة… جحيم.
‘وفوق ذلك، الأقوياء والأشرار في كلّ مكان.’
في المرّة الأولى، بِعتُ زوجةً رابعةً لنبيلٍ تافه،
ثمّ سُمِّمتُ ومُتُّ على يد الزوجة الأولى.
عدوّ عائلتنا اللدود،
<كاتوبليتا الضباب>،
ابتلع عائلتنا <ستيلرنين الشمس>
وباعونا كأنّنا تابعون لهم.
‘آه… ذلّ الضعفاء.’
في المرّة الثانية، قررتُ أن أصبح قويّة مهما كلّف الأمر.
ونجحتُ.
عثرتُ على خبيرٍ متخفٍّ، واتخذتُه أستاذًا، وتعلّمتُ السيف.
‘لكنّه كان مجنونًا.’
أجبرني على قتل عددٍ لا يُحصى من الناس.
لم أستطع المقاومة.
حافظتُ على عائلتي بفضل عودة الزمن،
لكنّ عقلي تحطّم.
‘وفي النهاية، حين رفضتُ القتل… قتلني.’
في المرّة الثالثة، لم أبحث عن الأستاذ.
حفظتُ العائلة، وسارت الأمور بسلاسة…إلى أن كُشف أمري.
“في جسد هذه الفتاة روحٌ من عالمٍ آخر!”
لقد كشف البابا حقيقتي.
ومن هناك… بدأ الجحيم.
فالأقوياء يملّون الحياة العاديّة.
وروحي القادمة من الأرض جعلتني لعبةً ممتعة لهم.
اختطاف، سجن، غسل دماغ، تعذيب، إساءة…
“لقد هربتُ….”
والآن، بالموت أخيرًا، بدأتُ الدورة الرابعة.
كان صوتي، لكنّه بدا غريبًا.
دائمًا ما أعود إلى ربيع السابعة عشرة،
وكان الطقس جميلًا خلف النافذة.
لكن وضعي كان بائسًا.
“…آنستي؟ هل تشعرين بعدم الارتياح؟”
كنتُ أجلس أمام المرآة،
وهناك أثنان من الخادمات تزيّنانني.
‘إن كُشف أمر عودتي، ستكون مشكلة.’
أجبتُ بهدوء.
“لا، تابِعن.”
ورثتُ ملامح عائلتي <ستيلرنين الشمس>.
شَعرٌ فضّي كثيف،
تتناثر فيه نقاط ذهبيّة كالغبار اللامع.
يسمّيها البعض شظايا الشمس،
وأسمّيها أنا غبار الذهب.
عينيّ، الموروثتان عن أمّي، اللتان يُقال إنّهما تأسران القلوب، كانتا بلون اللازورد الصافي.
وجهٌ كثيرًا ما قيل عنه:
“جمالٌ دمّر حياة صاحبته.”
‘حتى لو كانت <ستيلرنين الشمس> عائلة أشرار،
ففي المرّة الأولى، إجبارهم لي على شرب مستخلص الفيرومونات منذ الصغر كان بسبب هذا الجمال.’
كان لبيعي كزوجة رابعة سبب.
من وجهة نظر <كاتوبليتا الضباب>،
كنتُ أداة إغواء وتجسّس.
لكنّي مُتُّ غيرةً بسبب أحداهم.
أغمضتُ عينيّ للحظة.
شعرتُ بلمسة البودرة على خدّي.
‘الهدف…أن أصبح فوق القانون.’
لا أريد أن أموت مرّةً أخرى.
‘أن أصبح أقوى هنا لن يغيّر الكثير.’
دائمًا هناك من هو أقوى.
لقد كنتُ قويّة بما يكفي.
هل يُعقل أن أواصل الركض في سباقٍ لا ينتهي؟
في كوريا، ذقتُ ذلك بما فيه الكفاية.
من
الامتحانات.
السير الذاتيّة.
سئمتُ من كذلك.
لكنّ أن أُحتقَر؟
ذلك أسوأ.
أكره أن أكون الطرف الأضعف.وأكره الوقحين.
وأكره من يأمرونني.
لكن هذه الإمبراطوريّة كانت السلطة العرش فيها مطلقة.
وبوصفي نبيلة، لم أكن سوى ترسٍ في آلةٍ طبقيّة.
الهروب إلى دولة أخرى؟
الناس هم الناس في كلّ مكان.
‘ولو امتلكتُ السلطة بنفسي…ربّما متُّ من الإرهاق.’
عملتُ حتى الإنهاك في حياتي السابقة.
ولا أريد أن أموت عملًا هنا أيضًا.
إذًا، الجواب واحد.
أن أكون خارج كلّ القوانين.
مكان لا تطاله السلطة،
ولا المال،
ولا المجد،
ولا القانون.
هناك… أريد أن أقف.
‘حان وقت قدومها.’
كَبَانغ!
“ماذا تفعلين، أختي؟!”
فُتح الباب دون طرق.
كانت أختي غير الشقيقة، تاليسيت.
“…ما زلتِ بلا أدب.”
“ما زلتُ؟”
سألت بنبرةٍ غريبة.
أوقفتُ الخادمات،
ونهضتُ بهدوء.
انسدل ذيل فستاني الأحمر الفاخر على الأرض.
‘لقد طعنتْ خدمي.’
كان بطن خادمين عند الباب مغطّى بالدم.
نظرتُ إلى أفواههم المتقيّئة دمًا،
ثمّ إلى تاليسيت.
“ألا تعلمين أنّنا إن انطلقنا الآن سنتأخر عن حفل عيد ميلاد البارون؟!”
الآن فقط أدركتُ… هذه هي لحظة العودة.
“إن لم يكن لديكِ ما تفعلينه سوى إغواء الرجال،
فأوقعي البارون أو تلاعبي به على الأقلّ لتكسبي ثمن طعامكِ!”
ليس لائقًا بمن تسعى لأن تكون فوق القانون
أن تُعامَل هكذا من أختٍ أصغر بسنتين.
عائلة <ستيلرنين الشمس>…
كلّ فردٍ فيها قمامة.
لكن هذا بمنظور إنسانٍ حديث فقط.
هنا، هذا طبيعي.
“مجرد لأنّكِ وُلدتِ بعينين جميلتين، تتبجّحين؟
وأنتِ الأخيرة في ترتيب الوراثة!”
كانت تاليسيت تؤذيني أكثر من غيرها.
ولا أحد يمنعها.
فنظام الوراثة في <ستيلرنين الشمس>
يحدّد المعاملة حسب الترتيب.
لذلك لم يكن بين الإخوة أيّ ودّ.
كنّا نسمّي بعضنا ‘زملاء’.
وحتى سنّ السابعة عشرة، كنتُ الأخيرة.
انظري الآن. لا خادم يتدخّل.
‘إن أردتُ إخفاء العودة…
فليكن أنّني كنتُ أخفي قوّتي.’
قلتُ بهدوء:
“لن أذهب.”
“ماذا؟”
“قلتُ لن أذهب.”
كانت هذه مهمّتي… لكنّها ستتغيّر قريبًا.
تجمّدت تاليسيت،
وهي تمسك مروحتها.
“إن أردتِ الذهاب، فاذهبي أنتِ.”
ضحكت ضحكةً عالية.
“هل جُننتِ؟
لماذا أذهب إلى حفل ذاك البارون المنحرف؟
هل تريدين أن تموتي بيدي مثل أمّك وأختك؟”
“لا. أنتِ من ستموتين بيدي.”
“كيف تجرؤين، أيتها الحشرة؟!”
كانت تاليسيت قاتلةً تتقن السمّ بالمروحة.
وكانت الأشدّ قسوة بين آل ستيلرنين.
قاتلة أمّي… وأختي.
“أنقذيني… ليتيانا.”
رنّ صوت أختي في أذني كهلوسة.
حتى الخدم اعتادوا الوحشيّة،
لكنّ تاليسيت تجاوزت كلّ حدّ.
كانت تقتل الفقراء بلا تردّد،
وتستمتع بتعذيب الأطفال والحيوانات.
كانت تصنع الكيميرا،
وتضحك وهي تشاهد صراخهم.
حتى خدم العائلة كانوا يتقيّؤون قربها.
وكانت مروحتها تتحرّك برشاقة حين تفعل ذلك.
ولهذا كانت تعتزّ بها كثيرًا.
“كيف…؟”
كانت المروحة في يدي.
نظرت إليّ تاليسيت بذهول.
ابتسمتُ.
“إيذاء خدم غيرك هكذا خطأ.
كيف تشعرين الآن، وأنتِ المتضرّرة؟”
“ما… ما هذا؟!”
“ألم تفهمي الموقف بعد؟”
كانت عيناها جاحظتين، مسمومتين.
بالنسبة لي ؟ تحفة فنيّة.
كنتُ أودّ رؤية هذا التعبير يومًا.
كان لأبي، زعيم ستيلرنين،
ثماني عشرة ابنة،
وخمسة وعشرين ابنًا.
وكنتُ أنا الأضعف…
حتى الآن.
“كيف…كيف للأخيرة أن تهزمني…؟”
سقطت تاليسيت على ركبتيها.
نظرتُ في عينيها وقلتُ:
“لأنّني عشتُ وأنا أخفي قوّتي.”
“مستحيل…!”
تصلّب جسدها ببطء،والسمّ ينتشر.
راقبتُ أنفاسها الأخيرة بعينٍ هادئة.
وحين رفعتُ رأسي،
كان الخدم يحدّقون بي بدهشة.
“أبلغوا والدي. ليتيانا قتلت تاليسيت،
وأصبحتُ التاسعة في الوراثة.”
ناولْتُ المروحة لإحدى الوصيفات وقلتُ ببرود.
“نعم، آنستي.”
انحنوا جميعًا.
وأخيرًا… شعرتُ بالراحة.
من الآن فصاعدًا، سأتلقّى فقط ما أستحقّه.
التعليقات لهذا الفصل " 1"