7
***
سُمع صوت ضجيجٍ خفيفٍ من الطابق السفلي.
خمّنت إينيس أن زوجها قد عاد من عمله، فنهضت من مكانها.
‘متى مرّ الوقت بهذه السرعة …’
بعد لقائها برايفن، عادت إلى القصر، وهي تفكّر بخططها المستقبلية، لكن الوقت قد مرّ بسرعة.
طوت إينيس الورقة الكبيرة التي كانت تدوّن عليها بعض الخربشات، ورمتها داخل الدرج.
خرجت من الغرفة بخطواتٍ سريعةٍ ونزلت الدرج.
“هل وصلت؟”
تابع كاليان، الذي خلع معطفه وسلمّه إلى ستانلي، خطواته دون أن ينبس ببنت شفّة.
لم تكن إينيس تتوقّع ردًّا، فتبعته مسرعة.
“سعادتك، هل تودّ مني تحضير العشاء فورًا؟”
“نعم.”
“سعادتكِ …”
استدار ستانلي، الذي كان يتقدّم مع كاليان، وسأل.
أدركت إينيس أخيرًا أنها لم تأكل بعد، فانفرجت شفتاها في ذهول.
“آه، يجب أن آكل أنا أيضًا.”
عند سماع إجابتها، أطلق كاليان الذي كان يمشي أمامها تنهيدةً واضحة.
حتى لو كنتَ تكره الأمر لهذه الدرجة، كيف يمكنكَ إظهار ذلك بهذه الطريقة؟
نظرت إينيس، وهي تشعر بالحرج، إلى ظهره، ثم تحدّثت بسرعةٍ إلى ستانلي مرّةً أخرى.
“أنا بخير. في الواقع، لستُ جائعة فعلًا، سأتخطّى الطعام اليوم.”
“آه، إذن …”
“أعدّ وجبةً لزوجتي أيضًا.”
قبل أن يتمكّن ستانلي من الردّ، قال كاليان أوّلًا.
“أنا حقًّا بخير …”
“اجلسي أمامي على الأقلّ.”
عند سماع صوته المنخفض الثقيل، أومأت إينيس برأسها مرغمة.
شعرت أنها لو أصرّت أكثر هنا، فقد يفقد أعصابه كما حدث في المرّة السابقة.
‘بالمناسبة، كان ذلك اليوم شديدًا بشكلٍ خاصّ.’
تذكّرت إينيس اليوم الذي زار فيه رايفن القصر.
كان يتحدّث عادةً بحدّةٍ وقسوة، لكنه لم يغضب قط بهذه الطريقة. ربما كان ذلك مرتبطًا بالجريمة؟ ربما كان يكشف ببطءٍ عن طبيعته الحقيقية …
مع هذه الفكرة، شعرت بثقلٍ خفيفٍ من الخوف يضغط على كتفيها.
“ماذا تفعلين؟”
“آآه!”
كانت غارقةً في أفكارها بعمق، فلم تلاحظ استدارته.
فزعت إينيس من حديث كاليان المفاجئ، فأطلقت صرخةً مكتومةً وقفزت. نظر إليها وأطلق تنهيدةً مكبوتة، وكأنه في حيرةٍ من أمره.
“هل طلبتُ منكِ شيئًا صعبًا جدًّا؟ لم أكن أعلم أنكِ تكرهين الأمر إلى حدّ الصراخ.”
“أوه، لا. كنتُ أفكّر في شيءٍ آخر للحظة.”
كانت أنظار الخدم حولها كلّها موجّهةً إليها.
احمرّ وجه إينيس خجلًا، وخفضت رأسها وأجابت بهمس.
‘يالغبائي …’
“حتّى لو كرهتِ الأمر، أتمنّى أن تتحمّليه قليلًا. لديّ ما أقوله.”
“أنا لا أكرهه.”
حدّق بها كاليان طويلًا بهدوء، ثم استدار ودخل غرفة الطعام.
تنهّدت إينيس، التي بقيت وحدها، بعمقٍ وتبعته.
***
“حفلةٌ في القصر الإمبراطوري؟”
“نعم، أصرّت الأميرة كثيرًا على أن يُحضِرّ كلّ واحدٍ شريكه. تبدو متحمّسةً جدًّا لأن زواجها قد اقترب.”
كان كاليان يُشير إلى الأميرة، قريبته البعيدة، بكلّ بساطة.
أوه، كانت هناك حفلةٌ في القصر في هذا الوقت تقريبًا.
تذكّرت إينيس مظهرها المُشرق والمبهتج دائمًا. تذكّرت كيف رتّبت لمثل هذا الحدث، متلهّفةً لإظهار خطيبها للجميع.
“متى بالضبط؟”
لم يُجِب على سؤالها العابر.
رفعت نظرها عن خضراواتها التي كانت تُقلّبها بلا مبالاة. كان كاليان، الجالس قُبالتها، يحدّق بها باهتمام.
“سأُجيب إذا أكلتِ هذا.”
“ماذا؟”
“هذه الخضار المسكينة التي تقلّبينها منذ دقائق، إذا وضعتيها في فمكِ، سأُخبركِ.”
رمشت إينيس بعينيها بذهول.
هـ هل يمزح؟
عندما رأى كاليان إينيس ترمش دون أيّ ردّة فعل، عبس وتحدّث مرّةً أخرى.
“إن لم تكوني تنوين طلب فستانٍ جديدٍ بحجّة أن القديم لا يناسبكِ، فكُلي. لقد فقدتِ بغض الوزن، وقد يصبح كلّ ما أعددناه سابقًا كبيرًا عليكِ.”
“الأمر ليس كذلك.”
أسرعت إينيس ووضعت الشوكة في فمها.
كان لديها بالفعل غرفةٌ ممتلئةٌ بالفساتين التي أعدّها لها حديثًا، ولم تكن تنوي أبدًا في طلب المزيد.
التقطت الخس الذي كانت تُلفّه ووضعته في فمها.
“في عطلة نهاية الأسبوع التي تلي هذه.”
“هل هناك شيءٌ آخر أحتاج إلى تحضيره؟ هديّةٌ للأميرة مثلًا.”
لم يأتِ ردٌّ مرّةً أخرى.
رفعت رأسها نحوه، فأشار بعينيه إلى الطبق.
آه، مرّةً أخرى …
حرّكت إينيس الشوكة ببطءٍ والتقطت حبة طماطم، أجبرت نفسها على مضغ الخس وابتلاعه، ثم وضعت شيئًا آخر في فمها، عندها تكلّم كاليان.
“سأتولّى الأمر، فلا تشغلي بالكِ.”
“إذن، متى سنتلقّى الدعوة الرسمية …”
توقّفت إينيس في منتصف الجملة، والتقطت ملعقتها آليًّا، وارتشفت حساء اليقطين في فمها.
مسحت فمها بالمنديل، وسألت مرّةً أخرى.
“متى سنتلقّى الدعوة الرسمية؟”
“بعد غد.”
فهمت.
أومأت إينيس برأسها، وهي ترتب في ذهنها المهام التي يجب عليها القيام بها.
على أيّ حال، عند وصول الدعوة، ستردّ بأدب، وتختار هي وزوجها الملابس المناسبة، لكنها كسيدة عائلة إلمنهارت، كانت دائمًا تشعر بتوتّرٍ إضافيٍ عند أداء هذه المهام.
‘في النهاية، هذا أمر يُقيَّم من الخارج …’
بما أنها تنحدر من عائلةٍ متواضعةٍ من النبلاء، كان عليها أن تتفوّق على الآخرين أضعافًا مضاعفةً لتُعتبر في مستواهم.
“ألا يوجد لديكِ أيّ أسئلةٍ أخرى؟”
“ماذا؟”
في تلك اللحظة، جاء صوتٌ هادئٌ من الجانب الآخر من الغرفة.
رفعت إينيس رأسها.
كان كاليان قد أسند ذقنه على يده الموضوعة على الطاولة، وينظر إليها.
“هل لديكِ شيءٌ آخر تودّين معرفته؟”
“لا أعتقد …”
“إذن، أنهي طعامكِ.”
هل الأمر بهذه الطريقة؟
حرّكت إينيس الشوكة بغرابة، وبدأت تضع الطعام في فمها بجدّ.
لم تستطع التوقّف في منتصف الطريق وهو يراقبها وقد انتهى من طعامه.
أنهت إينيس وجبةً مُشبِعةً لأوّل مرّةٍ منذ زمنٍ طويل.
***
في المساء الذي سبق الحفلة الإمبراطورية بيومين.
في هذه الأثناء، زار رايفن المكان، لكن لم يُسفِر ذلك عن شيءٍ ذي أهمية.
‘يبدو أن لا أحد يعرف تفاصيل تلك الجريمة بشكلٍ جيّد. بما أن الضحية كان بلا أقارب، لم تأخذ الشرطة الأمر على محمل الجدّ في التحقيق.’
حسب رايفن، كان الضحية رجلًا في السبعينيات، يتجوّل في الأحياء الفقيرة دون مأوًى ثابت، وينام في أيّ مكان.
لم يكن سبب الوفاة معروفًا. لم يُحدَّد حتّى إن كان طعنًا بسلاحٍ أم تناول سمّ.
‘يبدو أن الشرطة أنهت الأمر بأنه ربما أكل طعامًا فاسدًا من الشارع أو عاش حياةً قذرةً فأصيب بعدوى أو تسمّم دم.’
كان هذا كلّ شيء.
لم تكن تتوقّع من رايفن، الذي لم يكن شرطيًّا ولا محققًا، أن يتوصّل إلى خيطٍ مهم …
‘ومع ذلك، إنه أمرٌ محبطٌ للغاية.’
كان من المؤسف أن تمرّ الجريمة الأولى دون أيّ دليل.
والأسوأ أنها لا تتذكّر جيدًا متى وكيف ستقع الجريمة الثانية.
ربما في الجريمة الثالثة أو الرابعة فقط، ستبدأ الشرطة والصحف بأخذ الأمر على محمل الجدّ وتنشر عنها على نطاقٍ واسع … تنهّدت إينيس بخفّة.
“سيدتي، وصلت الملابس التي طلبنا تعديلها من صالون السيدة هارينغتون. هل تودّين التأكد منها معًا؟”
في تلك اللحظة، اقترب ستانلي وسألها.
استفاقت إينيس من شرودها والتفتت إليه.
“وصلت متأخّرة أكثر ممّا توقّعت.”
“آه، بخصوص ذلك، اعتذرت السيدة هارينغتون عن ذلك. أعتقد أن السبب هو العدد الكبير غير المتوقّع من الطلبات بسبب الحفلة الإمبراطورية.”
نهضت إينيس وقالت.
“هل نذهب إلى الدوق الآن؟”
“آه، نعم. سأطلب من الخدم إحضار الملابس إلى المكتب.”
حسب ما تعرفه، كان كاليان في مكتبه اليوم دون مواعيد مهمّة. كان الوقت متأخّرًا على أيّ حال، وستكون الزيارة قصيرة، لذا من المؤكّد أنه سيخصّص وقتًا للتحقّق من الملابس معها.
بعد أن صرفت ستانلي، توجّهت إينيس نحو مكتب زوجها.
وبينما كانت تدخل الرّدهة، رأت شخصًا يخرج من المكتب على عجل.
حتى ذلك الحين، لم تُعِر الأمر اهتمامًا كبيرًا.
كثيرًا ما كان يخرج من مكتب زوجها أشخاصٌ لا تعرفهم.
كان زوجها يعمل مع الكثير من الناس الذين لا تعرفهم هي، ولم تكن تستطيع استقبال كلّ مَن يأتي إلى القصر.
لذلك، اعتبرته مجرّد زائرٍ جاء أثناء غيابها القصير.
انحنى الرجل الذي خرج من المكتب نحوها. انحنت له إينيس، دون تردّد، من باب المجاملة.
سرعان ما مرّ بجانبها بخطواتٍ سريعة.
وفي تلك اللحظة، تسلّلت رائحةٌ مألوفةٌ إلى أنفها.
توقّفت إينيس.
أدارت رأسها ببطء، ونظرت إلى ظهر الرجل الذي كان ينزل الدرج مسرعًا.
“……”
كانت رائحةً ثقيلةً ولزجة، فاحت رائحة الدم النفّاذة في المكان.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان! شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة. سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
إمبراطورية المانجا عـام
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات. هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
نادي الروايات عـام
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات. هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 7"