4
“سـ سيدتي!”
وسط الخادمات المجتمعات، استدارت إيمي مذعورة.
بينما انحنى الجميع نحو إينيس، ركضت إيمي نحوها مبتسمة.
“هل نمتِ جيدًا، سيدتي؟ كنتُ على وشك الذهاب لزيارتكِ الآن، أعتذر لتأخّري.”
“لا بأس، الاهم من ذلك …”
عندما دخلت الغرفة مع إيمي، التفتت إينيس.
“ما الذي كنتنّ تتحدّثن عنه؟”
عند سؤالها، لوّحت إيمي بيدها بسرعة.
“آه، لا شيء! إنه ليس شيئًا يستحقّ أن تقلقي بشأنه، سيدتي.”
“ما الأمر؟”
عندما سألت مرّةً أخرى، عضّت إيمي شفتها السفلى بحرجٍ ثمّ أطلقتها. لم تكن السيدة من النوع الذي يتذمّر أو يلحّ على شيء.
تردّدت للحظة، تنظر حولها في المكان الخالي، قبل أن تُخفِض صوتها إلى همس.
“ليس شيئًا آخر، لكنّهم يقولون إنّ حادثًا مروّعًا وقع في حيّ خادمة المطبخ ليريكا.”
“حادثٌ مروّع؟”
“في ساعات الصباح الباكرة، حين كان المكان خاليًا تقريبًا… جـ جريمة قتل…”
قبل أن تكمل الجملة، شعرت إينيس وكأنّ قلبها سقط فجأة.
إذن فقد وقعت الجريمة الأولى فعلًا.
شدّت إينيس جسدها، مُحاولةً الوقوف على ساقيها اللتين كانتا تضعفان باستمرار.
همست إيمي كأنّها تكشف سرًّا عظيمًا، ثمّ هزّت رأسها بسرعة.
“يا إلهي! إنه الصباح الباكر … أعتذر لإخباركِ بهذا الخبر. لقد حدث في حيّ فقيرٍ بعيدٍ جدًّا عن قصر إلمنهارت، فلا تقلقي كثيرًا وانسيه سريعًا. هل تجلسين هنا؟”
أخرجت إيمي الكرسي أمام المرآة بحركةٍ مُبالغٍ فيها. ترنّحت إينيس إلى الأمام حتى جلست على الكرسي وكأنها على وشك السقوط.
في المرآة، ظهرت امرأةٌ شاحبة البشرة تمامًا.
نزعت إيمي رداء إينيس بحركاتٍ طبيعيةٍ وماهرة.
عندما رأت آثار الليلة الماضية الواضحة، لم ترمش بعينيها، بل تفقّدت الجسد هنا وهناك بحثًا عن أيّ جرح.
على الرغم من أنّ الدوق والدوقة يبدوان من الخارج كأن ريحًا باردةً تهبّ بينهما ولا اهتمام متبادل، إلّا أنهما يتركان دائمًا آثارًا واضحةً من المودّة في اليوم التالي لرحلة عمل الدوق الطويلة.
حسب ما قالته ليريكا، إذا دقّقتِ النظر بعناية، فإنّ نظرة الدوق تنتهي دائمًا عند السيدة …
لكن حتى لو كان الأمر كذلك، فإنّ نقش علاماتٍ حمراء بشكلٍ قاتمٍ على جسد السيدة النحيل الأبيض الهشّ لا يمكن اعتباره حبًّا.
‘هذا يشبه تمامًا تصفية غضبٍ شديد …’
رفعت إيمي رأسها وتحدّثت إلى السيدة التي بدت شاحبةً بشكلٍ خاصٍّ اليوم.
“لا يبدو أن لديكِ أيّ إصاباتٍ خطيرة، لكن هل ترغبين في حمامٍ دافئ؟ أم تفضلين تناول الطعام أولًا؟”
“سأبدأ بالحمّام. شكرًا لكِ، إيمي.”
أومأت إيمي برأسها وركضت إلى الحمام.
فتحت الصنبور المتّصل بالحوض، وبدأت تملأه بماءٍ ساخنٍ يتصاعد منه البخار.
بما أن الدوق عاد بعد رحلةٍ طويلة، فمن المؤكّد أن القصر لن يشهد مشكلاتٍ كبيرةٍ لفترة.
***
وقعت جريمة قتل.
بعد انتهاء الحمام، جلست إينيس وحدها في الغرفة، ثم نهضت فجأةً من مكانها.
‘لقد حدث ذلك حقًّا.’
عندما عادت إلى الوراء عامًا قبل موتها وبدأت حياةً جديدة، بقي بصيص أملٍ صغيرٍ لديها.
ربما في هذه الحياة، لن تحدث مثل هذه الجرائم، ربما زوجها ليس قاتلًا متسلسلًا مُرعبًا، ربما لن تُقتل على يد رجلٍ لا تعرف حتى اسمه.
لكن لا. الحياة كانت تتكرّر تمامًا كما كانت.
“هاا…”
كانت تعرف، ومع ذلك لم تفكّر حتى في منعها بشكلٍ جدّي.
شعرت بأسفٍ تجاه الضحيّة الأولى التي قُتِلت الليلة الماضية، رغم أنها لا تعرفها، مع شعورٍ خفيفٍ بالذنب.
حسب ما كانت تَذكُر، كانت الجريمة الأولى فعلًا في الحيّ الفقير.
مرّ موت رجلٍ مسنٍّ مجهول الهوية نائمًا في الشارع دون أن يلاحظه أحد، لكن تبيّن لاحقًا أنه بداية سلسلةٍ من جرائم القتل، التي لفتت انتباه الرأي العام متأخّرًا.
‘…. هذه مجرّد البداية.’
بعد هذه الجريمة، كان هناك خمس جرائم أخرى في الطريق.
“خمس …”
لماذا يقتلهم كاليان؟ هل هي مجرّد تسلية؟
كان، بلا شكّ، مثالاً يُحتذى به للنبلاء. كان عدد لا يُحصى من نبلاء إمبراطورية دلفيوس يوقّرون كاليان إلمنهارت أكثر من أيّ أحد، يحترمونه، ويبالغون دائمًا في تمجيده.
كيف له، وهو الذي لا يعيبه شيءٌ سوى زواجه من زوجته العادية، أن يرتكب جريمة قتل؟ كان الأمر حقًا غير مفهوم
‘يجب أن أفعل شيئًا.’
خطرت ببالها فكرةٌ عابرة
مع هذه الفكرة، بدأت إينيس تسير دون هدفٍ محدّد.
صعدت الدرج مباشرةً إلى مكتب كاليان في الطابق الثالث، وتوقّفت أمام الباب.
‘سأتحدّث مع كاليان بشكلٍ طبيعي، وأتفقّد المكتب في أثناء ذلك …’
إن حالفها الحظّ، قد تتمكّن من إلقاء نظرةٍ على المكان السرّي داخل المكتب.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب فجأةً دون أن يلمسه أحد.
“…..!”
فوجئت إينيس ورفعت رأسها.
لم أكن مستعدّةً بعد…!
ظهر كاليان من الداخل، وعقد حاجبيه، وكانه لم يتوقّع وجود شخصٍ أمام الباب.
بدا مُتعَبًا وحادّ الأعصاب، كأنّه كان مدفونًا بين الأوراق. تفحّص زوجته من أعلى إلى أسفل ببطء، ثمّ قال فجأة.
“ما الأمر؟”
الآن وقد أصبحا وجهًا لوجه، تبعثرت أفكارها التي كانت تدور قبل لحظات، ولم يخطر ببالها شيء. فتحت إينيس فمها فجأة، دون أن تدري ما تقول.
“هل نمتَ جيدًا الليلة الماضية؟”
مع هذا التحيّة المفاجئة، ازداد عبوس كاليان.
نظر إليها طويلًا كأنه يحاول قراءة أفكارها، ثم فتح فمه ببطء.
“كالمعتاد. لماذا؟”
ابتلعت إينيس ريقها بصعوبة.
“… عندما استيقظت، لم تكن موجودًا، تساءلتُ متى استيقظت.”
“عادةً ما تستيقظين متأخّرةً في الصباح، أليس كذلك؟ لا جديد.”
“نعم. إذن بدأتَ العمل من الصباح مباشرة؟”
سألت بأكبر قدرٍ ممكنٍ من العفوية، وهي تُحوّل نظرها قليلًا إلى المكتب خلف كاليان. مقارنةً بما كان عليه قبل عودته، لم يبدُ أنّ هناك تغييرًا ملحوظًا. على الأقلّ ظاهريًّا.
في تلك اللحظة، سواء كان مقصودًا أم لا، حرّك كاليان جسده الكبير ليحجب رؤيتها، ونبس.
“هل جئتِ لتراقبين ما أفعله؟”
“مراقبة؟”
أصابها الكلام في الصميم، فرفعت صوتها.
“جئتُ فقط لأُلقي التحيّة.”
“تُلقين التحيّة عليّ؟ بعد عامٍ من الزواج؟”
حتى أنا اعتبرتُه عذراً سخيفاً. لماذا يُبادر زوجان متباعدان إلى إلقاء التحيّة فجأة؟
بدأ الاحمرار يتسلّل تدريجيًّا إلى وجه إينيس.
“… كنتُ أنوي البدء من الآن.”
توقّعت أن يوبّخها فورًا، ويطلب منها ألّا تزعجه أو ألّا تفعل شيئًا غير ضروريٍ كهذا.
لكن على غير المتوقّع، ظلّ كاليان ينظر إليها بهدوءٍ دون أن ينبس ببنت شفّة.
لم تستطع فهم مغزى نظراته.
“سـ سأذهب الآن.”
شعرت إينيس فجأةً بشعورٍ غريبٍ، فقالت على عجل.
البقاء أمامه أكثر من ذلك لن يُؤدي إلّا إلى إفساد الأمور. حتى قبل قليل، تفوهتُ بشيءٍ لا طائل منه …..
استدارت إينيس بسرعة، قرّرت أن تتجنّب زيارته في حالة عدم ترتيب أفكارها مستقبلًا.
عندما وصلت إلى الدرج وأمسكت بالدرابزين، سمعت صوت إغلاق باب المكتب بقوّةٍ من الخلف. توقّفت إينيس أخيرًا، وخفضت رأسها وتنهّدت.
‘هل لم يفعل شيئًا واستمرّ في عمله مباشرةً دون مشاكل …؟’
لم يبدُ عليه أنه فعل شيئًا مميّزًا الليلة الماضية. مع أنها لم تكن متأكّدةً تمامًا.
بينما كانت واقفة هناك، غارقةً في أفكارها، بدأ صدى صوت كعبٍ عالٍ يتردّد من الدرج بالأسفل. اقترب الصوت المنتظم تدريجيًا من الطابق الثالث.
رفعت إينيس رأسها بهدوءٍ وأصغت باهتمام.
على حد ما تتذكّره، لم يكن هناك الكثيرون في قصر إلمنهارت يرتدون أحذيةً تُصدِر مثل هذا الصوت.
‘من هذا؟ لم أسمع أن هناك زائرًا في القصر اليوم.’
بعد انتظارٍ قصير، بدا صوت الكعب العالي وكأنه يقترب أكثر فأكثر، وأخيرًا ظهرت صاحبة الصوت.
تجمّدت إينيس في مكانها، وهي ترى شعرًا أحمرًا ناعمًا مموّجًا ينسدل على كتفيها وعينين خضراوين جريئتين.
“يا إلهي.”
توقّفت المرأة الصاعدة إلى الطابق الثالث أيضًا عندما رأت إينيس واقفةً على الدرج. نظرت إليها قليلًا، ثمّ وضعت يدها ببطءٍ على صدرها وانحنت.
“أتشرّف بلقاء دوقة إلمنهارت.”
“هل تعرفينني؟”
“سمعتُ عنكِ الكثير.”
كانت تبدو واثقةً وطبيعيةً كأن لديها ما يدعمها.
شدّت إينيس على السلالم وسألت.
“ما اسمكِ؟ أنتِ تعرفينني وأنا لا أعرفكِ.”
“اسمي …”
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب المُغلَق فجأةً وظهر كاليان مرّةً أخرى. كان وجهه متيبّسًا على عكس ما كان عليه قبل قليل، وبدأ يسير بخطواتٍ واسعةٍ في الممر.
وصل إلى الدرج ووقف بجانب إينيس، ثمّ قال للمرأة.
“ماريان، اصعدي.”
“مرحبًا، سيدي الدوق. كنتُ أتبادل التحيّة مع دوقة إلمنهارت.”
“قلتُ اصعدي.”
تحدّث كاليان مجدّدًا، بصوتٍ حازم.
عبست المرأة التي تُدعى ماريان وسارت إلى الأمام على مضض. وصلت إلى الطابق الثالث، ومرّت بجانب إينيس، وهمست بهدوء.
“كان من دواعي سروري لقاؤكِ، دوقة إلمنهرت.”
ثم تبعت كاليان بخفّةٍ ودخلت مكتبه معه.
وبعد أن تُرِكت وحيدةً في الرّدهة، نظرت إينيس إلى المكتب المُغلَق بإحكامٍ في ذهول.
هل حدث هذا أيضًا قبل سنة؟
“… هاه.”
لم تستطع فهم ما يجري.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
التعليقات لهذا الفصل " 4"