على حين غرّة، تجمّد جسدي الذي كان يهمّ بالنهوض تلقائيًّا عند سماعي صوت التابع الخافت من خارج الباب.
ما إن أدرت رأسي بسرعة حتى لمحتُ،من خلال شقّ الباب المفتوح، وجهًا مألوفًا.
“مرحبًا، إيلي. مرّ وقت طويل.”
تحت شعره الداكن متعدّد الألوان، الكثيف كجذع شجرة، انحنت عيناه البنيّتان المائلتان إلى الحمرة بانحناءةٍ رقيقة وهو ينظر إليّ.
“لوان، سينباي…!”
لوان، كان في عمر تشبلين نفسه، ويكبرني بأربع سنوات.
بحسب قانون الإمبراطوريّة، يُعترف بالبلوغ ابتداءً من سنّ التاسعة عشرة، ولذا فإن لوان وتشبلين، وكلاهما في الثامنة عشرة، سيبلغان سنّ الرشد بعد مرور هذا الشتاء.
وكان على النقيض تمامًا من تشبلين المتهوّر بعض الشيء، إذ امتلك شخصيّة هادئة، ناضجة، ومليئة باللطف.
‘ولهذا أنادي لوان فقط “سينباي” دون تشبلين.’
وبفضل ذلك، كان لوان يُذكر داخل <الوردة السوداء> كأقوى شخص بعد دِيث، ومرشّحًا بارزًا لمنصب القائد القادم.
“سمعتُ أنّكِ تولّيتِ مهمّة طويلة الأمد، يبدو وجهكِ وكأنّه نقص إلى النصف.”
اقترب لوان إلى مسافة قريبة في لحظات، ومدّ يده يربّت على خدّي ببطء بنظرةٍ قلقة.
كان دفئه مختلفًا تمامًا عن لمسة أيّ وغدٍ عابر، حتى التوتّر الذي لم يكن موجودًا ذاب كلّه كليًّا.
قبل شهر، أُرسل لوان فجأةً إلى الخارج بعد تشبلين، ولذلك لم أره طوال تلك المدّة، ويبدو أنّه عاد لتوّه الآن.
“واضح، أليس كذلك؟ أنا أعاني كثيرًا فعلًا. لكن القائد لا يقدّر ذلك.”
“…حقًّا؟”
ربّت لوان على كتفي المتدلّل بتدلّلٍ لطيف، ثم ألقى نظرة توبيخ نحو ديث.
أجل، لهذا أحبّ كوني الأصغر سنًّا!
هذا التمرّد الخفيّ الذي لا أجرؤ عليه… أعشقه!
“لوان، لا تُدلّل إيلي هكذا. ستفسد.”
“لكنّك يا سيدي القائد لم تعاقبها عندما جاءت إلى المخبأ أثناء المهمّة.”
ردّ لوان بنبرةٍ ناعمة، مذكّرًا إيّاه بأنّه في المرّة السابقة علّق تشبلين رأسًا على عقب.
فلم يستطع ديث أن ينبس بكلمة، وأغلق فمه بصمت.
للحظةٍ، خُيّل إليّ أنّني سمعت أنينًا مكتومًا يتسرّب من بين أسنانه… لنتظاهر بأنّنا لم نسمع شيئًا.
“سعدتُ بلقائك، سينباي. عليّ العودة إلى عملي الآن، سأغادر أوّلًا.”
“إيلي، كوني حذرة دائمًا. وإن احتجتِ أيّ مساعدة، ناديني في أيّ وقت.”
أومأتُ برأسي بخفّة على كلام لوان، ثم خرجتُ مباشرةً من الفندق.
كنت أودّ البقاء مدّة أطول بما أنّني زرتُ المخبأ بعد غياب، لكنّ المهمّة كانت أولى.
‘آمل ألّا يكون قد حدث شيءٌ للهدف.’
لن يكون قد وقع مكروه في تلك اللحظات القصيرة التي غبتُ فيها، أليس كذلك؟
‘…للاحتياط، فلنُسرع.’
صعدتُ إلى العربة التي كانت بانتظاري قرب برج الساعة، وحثثتُ السائق على السرعة بينما أحدّق في السماء التي بدأت تغرق في العتمة.
***
“لقد غادرت بسلام. لم نرصد أثرٍ للتعقّب.”
ما إن انتهى التابع من تقريره عن تحرّكات إيلي، حتى جلس لوان أخيرًا في مكانه.
ولم يكتفي بذلك، بل استمع أيضًا إلى هويّة مالك العربة وسائقها، قبل أن تنفرج شفتاه المطبقتان بإحكام.
“سيدي القائد، والآن تفضّل بالحديث.”
“أنتَ تبالغ في حمايتها، أيّها الأحمق.”
تمتم ديث متأوّهًا وهو يضغط على رأسه المتعب.
بالرغم كانت إيلي الأصغر بينهم، فإنّ لوان كان يميل إلى حمايتها بإفراط.
إلى درجة أنّ ديث نفسه، الذي كان يعامل إيلي كابنته، بدأ يشعر بالضيق.
“سمعتُكم تتحدّثون عن إنهاء المهمّة،فلنُنهِها هنا. هذه المهمّة صعبة على إيلي.”
“إيلي هي الوحيدة التي اعترف بها جميع الأعضاء كعنصر نخبة. لا وجود لإيقاف المهمّة.”
بل وأضاف ديث بنظرةٍ حادّة أنّ لوان نفسه وافق على تصنيف إيلي كنخبة بـ<الوردة السوداء> .
“وافقتُ لأنّها أثبتت جدارتها في مهمّة واحدة. أمّا مهمّة تسلّل طويلة الأمد كهذه فالأمر مختلف.”
لكنّ لوان لم يتراجع، وتابع بصوته العذب الهادئ.
فحين لم يُجب ديث، فتح لوان فمه مباشرةً دون انتظار.
“وماذا لو تعلّقت إيلي بالهدف أثناء التنفيذ؟”
“هل تشكّك الآن في أهليّة عنصر نخبة؟”
“أود الإشارة فقط إلى أنّ الشخص في الرابعة عشرة من عمره يكون هشًّا أمام قوة العاطفة.”
عند الردّ العنيد، أطلق ديث أنينًا جديدًا.
كان لوان يمتلك موهبة الحديث المنطقي المقنع، لكنّها في الوقت نفسه كانت عيبًا، إذ تُسكت الطرف الآخر بلا رحمة.
“ما دامت قد أُقحمت في المهمّة، فلا يمكننا تغيير العنصر الآن. أنت تعلم ذلك يا لوان.”
“من الأساس، تصرّف الهدف غريب. أن يتّخذ إيلي خادمةً ملازمة له أمر غير طبيعي.”
“أن تترقّى خادمة عاديّة إلى خادمة خاصّة بين ليلة وضحاها فقط لأنّها اعتنت بحيوانٍ أليف؟ لا يوجد مثل هذا الأمر في القارّة بأكملها.”
في الأصل، كلّما كانت العائلة النبيلة أعظم، كان نظام إدارة الخدم فيها أشدّ صرامة.
وفوق ذلك، إن كانت عائلة دوقيّة شهيرة مثل كاسيو، فإنّ أبناء الأسر الكونتيّة والماركيزيّة يتسابقون للعمل كخدم فيها.
بمعنى آخر، كانوا يحملون اسم “خادمة” أو “خادم” فحسب، لكنّهم في الحقيقة أبناء نبلاء، مجتمع ثاني مصغّرًا.
“سيدي القائد، تصرّفات الهدف فاضحة أكثر من اللازم. لا يوجد أمر أو اثنان فقط يثيران الشكّ.”
“…هممم.”
أن تتجاوز إيلي كلّ أولئك وتنتزع المنصب مباشرة، وهي عاميّة بلا لقبٍ حتّى، أمر لا يمكن أن يحدث.
“إيلي تفتقر إلى الخبرة العمليّة مع النبلاء، لذا لم تلاحظ غرابة الأمر. وربّما لاحظت، لكنّها لم تتوقّف عنده كثيرًا، معتبرة إيّاه مجرّد مصادفة.”
لم يكن بوسع لوان الاكتفاء بالمراقبة، وقد تلون وجهه بحذرٍ قاتم.
“أفهم ما تعنيه… لكن دعنا نثق بها حاليًّا. لدينا أمر أوكلناه إليها، وحتّى الآن التقارير تشير إلى أنّ الأمور تسير على ما يرام.”
“من المريب أنّك أسندت المهمّة لإيلي بالذات في الوقت الذي كنتُ أنا وتشبلين فيه خارج البلاد، سيدي القائد.”
حين واجه دِث نظرة لوان المشتعلة بالحمرة، أطلق زفيرًا عميقًا ومسح وجهه بخشونة.
لهذا بالضبط انتظر غياب هذين الاثنين ليسند المهمّة لإيل، لكنّ اللحظة التي كان يخشاها قد جاءت.
“…كما تعلم، ديون إيلي ازدادت مجدّدًا.”
وكان السبب، بلا شكّ، والد إيلي.
رجلٌ اشتهر بألقابٍ مثل:
“قمامة تعيش في أوكار القمار”، و”عاجز يرمي ديونه على ابنته الصغيرة”.
وإن كانت إيلي تدافع عنه بوصفه والدها، فإنّ الجميع رأوه كذلك.
“إن لم تُسدّد قريبًا، ستُسحب منها الجنسيّة، وقد تُنفى خارج البلاد. لا يمكنني الوقوف مكتوف اليدين.”
كانت إيلي ترفض المساعدة رفضًا قاطعًا، خصوصًا في الأمور الماليّة.
حتى لو جُرّدت من الجنسيّة وطُردت إلى دولة أخرى، فإنّها كانت ترفض أيّ عونٍ ماليّ مهما كان.
وذلك لأنّها أدركت منذ صغرها الخراب الذي تخلّفه العلاقات القائمة على المال، بسبب ديون والدها.
وفوق ذلك، فإنّ بيعها لـ<الوردة السوداء> كان بسبب المال أيضًا.
“أنت تعرف طباعها. حتّى لو قلتُ إنّه قرض لا هبة، سترفض. وفي خضمّ ذلك، جاءت مهمّة بمبلغٍ ضخم… فأسندتها إليها على الأقل لتأخذ العربون.”
ورغم سماعه مبرّرات ديث، لم تتحسّن ملامح لوان.
لو كان هو مكانه، لأجبر المال في يدها، حتّى لو آذاها ذلك.
‘القائد اختار هذا الطريق لأنّه خاف من جرحها.’
فهم النيّة، لكنّ الحلّ المباشر لم يتحقّق.
ومع ذلك، وبما أنّ مشاعرهما تجاه إيلي واحدة، تراجع لوان خطوةً وهو يكبت أنفاسه.
“إن لم تحقّق إيلي نتائج قريبًا، سأتولّى هذه المهمّة بنفسي. أليست مهامّ التسلّل من اختصاصي؟”
“سأفكّر في الأمر. لكن لديّ خطّة، فلا يمكن الآن.”
“ستفشل. إيلي ليست من النوع الذي ينجز المهمّة ولو على حساب حياة طرفٍ ثالث. أنتَ تعرف ذلك.”
عند سماعه كمّ الأسرار التي خرجت من فم لوان بسهولة، أمسك ديث جبهته مجدّدًا.
يبدو أنّه لم يعد الآن فقط، بل كان موجودًا منذ البداية واستمع إلى حديث إيلي كلّه.
حقًّا، يا له من رجلٍ لطيفٍ حدّ الإزعاج.
“حتّى لو فشلت، عليها أن ترى النهاية لتقتنع. سأدعها تفعل ما تستطيع، وأنت كفّ عن الإلحاح.”
لوّح دِيث بيده متضجّرًا.
فهو لم يك
ن ينوي أصلًا منح إيلي وقتًا كافيًا لتتعلّق بالهدف.
‘ريس كاسيو… كما قال لوان، هو مريب حقًّا.’
‘علينا تعجيل إخراج إيلي من هناك.’
غاصت حدقتا دِيث، السوداوان كالحبر، ببطء في ظلامٍ عميق.
التعليقات لهذا الفصل " 26"