【01. تم فسخ خطوبتي من قبل الأمير السائب】
“سليميا راينليتز، باسم أليكس فارغان، الأمير الثاني لمملكة لوبوا، أصدر عليكِ حكم فسخ الخطوبة والنفي خارج البلاد!”
ساد الصمت قاعة الحفل بعد كلمات أليكس.
لكن، بدلاً من الدهشة، كانت الأعين التي التفتت إليه تحمل بروداً ممزوجاً بالسخرية والاستخفاف.
كان الذي أعلن ذلك بصوتٍ عالٍ، وجبينه تعلوه التجاعيد العميقة، هو أليكس فارغان، الأمير الثاني لمملكة لوبوا.
كان معروفاً في أوساط المجتمع بأنه المشاغب السيئ السمعة.
عاشق للملذات والمظاهر الباذخة، يقضي أيامه بين المقامرة والفجور وكؤوس الخمر.
يبدد أموال الشعب وضرائبهم كالماء ليغرق في ترفٍ لا حدود له.
بسلوكه المنحط وانعدام أخلاقياته الملكية، ترددت حوله ألقابٌ مشينة مثل “أليكز” و”أليكاس” و”أهوكس”، تُهمس بها في الأزقة والقصور على حدٍ سواء.
أما الآنسة التي أُعلن فسخ خطوبتها، سليميا، فهي ابنة عائلة الماركيز راينليتز.
قد ارتبطت بأليكس بخطوبة منذ ثلاث سنوات.
بشرتها ناعمة كالخزف الأبيض، وشعرها الوردي الفاتح لامع، وعيناها زرقاوان تخطفان الأنفاس.
رموشها الطويلة ترسم ظلالاً على عينيها، تمنح تعبيرها لمسة من الحزن الآسر، تجعل كل من يراها يذوب سحراً بجمالها الأخاذ.
لكن، خطوبتها مع أليكس لم تكن برغبتها من الأساس.
كانت مجرد نزوة منه، فقد أعجب بها من النظرة الأولى، وأصر على إتمام الخطوبة بتعنته المعهود.
“…فسخ الخطوبة؟ ما الذي تقصده، سموك، بهذا الكلام المفاجئ؟ وأمام كل هؤلاء الحضور؟”
سألته بلهجة هادئة ومتزنة.
لكن أليكس، بدلاً من الرد، أطلق ضحكة ساخرة وهو يهز أنفه بازدراء.
“يا لكِ من امرأة متظاهرة! كفى تهرباً ومراوغة. لقد ارتكبتِ ذنباً لا يليق بمن هي مخطوبة لي. …كريستينا هنا، قد شهدت على كل جرائمكِ! أليس كذلك، يا كريستينا؟”
“نعم، سيدي أليكس. لقد كانت الآنسة سليميا دائماً ما تضايقني وتؤذيني. تصاعدت مضايقاتها يوماً بعد يوم، حتى وصلت إلى ذروتها عندما دفعتني من أعلى الدرج. لحسن الحظ، لم أصب إلا بالتواء خفيف، لكن كان من الممكن أن أتعرض لإصابة خطيرة لو ساءت الأمور.”
“يا إلهي…! يا لكِ من مسكينة، يا كريستينا. أنا ممتن من كل قلبي لأنكِ بخير. آه، أحبكِ، يا كريستينا.”
“أوه… أنت حقاً، تقول هذا أمام كل هؤلاء الناس؟”
“لا يهمني! من ذا الذي يستطيع أن يبقى عاقلاً أمام جمالكِ الأخاذ هذا؟”
ثم قام أليكس، بكل جرأة، بتقبيل خد المرأة ذات الشعر الأرجواني التي كانت تتكئ على ذراعه.
بدت هي بدورها لا تمانع، بل احمرت وجنتاها بخجلٍ مصطنع.
ارتفعت همهمات الاستنكار والضجيج من حولهم، وكانت أعين الناس ترمقه بنظرات احتقار وازدراء.
أما سليميا، فقد شعرت بالاشمئزاز والنفور حتى انتابتها القشعريرة من هول المشهد.
(…هل هذا الرجل قردٌ بري أم ماذا؟ لا، بل إن الحيوانات التي تعيش في البرية أكثر حكمةً في حياتها. مقارنته بها إهانة لها بالتأكيد.)
المرأة التي كانت تتودد إلى أليكس تُدعى كريستينا، على ما يبدو.
اسمٌ لم تسمع به من قبل.
كان يعلن بلا خجل أنه يحبها أمام الجميع، لكن سليميا تتذكر بوضوح أنه كان برفقة امرأة أخرى قبل أسبوع فقط.
“أقصد أن أتزوج كريستينا التي تقف هنا. هل هناك من تكون أنقى وأطهر منها لتكون زوجتي؟ لا، بالطبع لا!”
يبدو أنه مغرم بها إلى حد الجنون.
كانت كريستينا تنظر إلى سليميا بتعبيرٍ متظاهر بالخجل والرقة.
كانت ذات ملامح متناسقة، وشعرها الأرجواني المتموج يزيدها سحراً.
عيناها الكبيرتان تثيران رغبة الحماية لدى كل من يراها.
وكان فستانها الجميل المزين بالدانتيل الدقيق يبرز جمالها الفتان أكثر.
لكن، حتى مع هذا الجمال الآسر، لن يدوم حب أليكس لها طويلاً.
فقد كان في بداية خطوبته مع سليميا يظهر اهتماماً بها، لكنه سرعان ما فقد شغفه، وأخذ يتنقل بين النساء في لهوه المعتاد.
“حسناً… لقد فهمت دوافع فسخ الخطوبة. لكن، حتى لو كنتُ عائقاً في طريقك، أليس النفي عقوبة وحشية بعض الشيء؟ أليس هناك أي دليل سوى شهادة هذه السيدة؟”
“هذا…”
كانت كلمات أليكس متسرعة ومتحيزة، يحكم عليها دون أي دليل.
وكانت شهادة كريستينا ملفقة تماماً، لا أساس لها من الصحة.
عبس أليكس بامتعاض وواصل حديثه:
“اخرسي! حتى لو لم يكن هناك دليل، فإن الحقيقة أنكِ ارتكبتِ جريمة هي ما يهم.”
“دفعها من أعلى الدرج؟ أنا لم أفعل شيئاً من هذا القبيل. بل إنني ألتقي بهذه السيدة للمرة الأولى، فما الضغينة التي يمكن أن تكون بيننا؟”
“هه، مهما قلتِ، لا مكان لتبريراتكِ. أنا من اتخذ القرار، وقراري نهائي! أنا من أملك السلطة هنا. أخبريني يا سليميا، من أنا؟”
“…”
(…أسوأ وقح في التاريخ يتفاخر بسلطته – أليكس فارغان، االامير السائب.)
احتفظت سليميا بإجابتها في قلبها، وابتلعت الكلمات التي كادت تخرج من لسانها.
“سأعاقبكِ كمجرمة بالنفي خارج البلاد. هذا أمرٌ نهائي. أيها الحراس، خذوا هذه المجرمة بعيداً فوراً. لا يمكن أن نتركها مكشوفة أمام الأعين أكثر من ذلك.”
بأمرٍ من أليكس، أمسك الفرسان الذين كانوا خلفه بذراع سليميا النحيل وسحبوها بعنف.
ربما كان هذا المصير محتوماً منذ البداية.
لم يكن الزواج يناسب رجلاً متقلباً ومتهوراً مثله.
ربما اختار إجراء فسخ الخطوبة على شكل محاكمة ليتجنب متاعب الإجراءات الرسمية، أو ليحافظ على ماء وجهه بعد أن أراد خرق العقد بسبب نزوة قلبية غير منطقية، أو ربما خُدع فعلاً بأكاذيب تلك المرأة التي تُدعى كريستينا.
لكن، في النهاية، لم يعد الأمر يهم.
“سليميا، تقبلي عقوبتكِ، وكفّري عن خطاياكِ بجسدكِ.”
كان آخر ما رأته – وجه أليكس الأحمق، وهو يرفع زاوية فمه بانتصارٍ متغطرس.
0
0
الأصوات
Article Rating
التعليقات على الفصل " 1"