شعرت داليا في تلك اللحظة وكأن قلبها سقط إلى قاع صدرها.
‘إمبراطورتي.’
لقد اتفقت معه على الزواج، لكن هذه الكلمة بدت لها حميمة أكثر مما ينبغي، وكأن بينهما علاقة عميقة بالفعل.
اشتعلت أذناها بحرارة محرجة.
قالت بتمتمة:
“…لستُ إمبراطورة بعد.”
“صحيح. الإمبراطورة المستقبلية. ولأن مفعول الدواء لا يتجاوز ثلاث ساعات، فالأفضل أن تشربيه الآن.”
وبسبب استعجاله، تناولت داليا القارورة وشربت بلا تفكير.
“ما اللون الذي تحول إليه وجهي؟“
رفعت رأسها تنظر إلى الإمبراطور، فوجدته يطيل التحديق في وجهها بإمعان.
أليس ينظر طويلاً جداً؟
أحست بأن وجهها يزداد احمراراً، فخفضت رأسها، لكن صوته سبقها.
“تحوّل إلى اللون البني. لكن ملامحك ما زالت جميلة بوضوح. هذا لن يفيدنا كثيراً.”
بدا الضيق واضحاً في نبرة صوته.
“هذا ينطبق عليك أيضاً! وجهك يكاد يضطرب من شدة الإضاءة!”
قالت ذلك فقط لأنها شعرت بإحراج شديد.
“ناديني جين. إلا إن كنتِ ترغبين في لفت الأنظار بمناداتي بـ (مولاي) في الخارج. وسأناديك باسمك المستعار ليا.”
“هذا… لاأدري…”
تلعثمت داليا، فمهما كان الاسم مجرد اسم وسط، بدا لها من الغريب مناداته به.
“لنتدرّب قليلاً؟“
تجاهل رفضها الخفيف، وحثّها بصوته الهادئ.
همست بخجل شديد وجفونها تخفي عينيها:
“سيد…جين….”
واحمرّ وجهها حتى بدا كحبة فجل.
“يكفيني جين فقط. هيا بنا.”
أمسك الإمبراطور يدها بطبيعية تامة وفتح الباب.
وخلف الباب بدت غرفة واسعة مرتّبة كأنها متجر أصناف متنوعة.
فتحت داليا عينيها باندهاش وبدأت تراقب المكان بحماسة.
كان المتجر مليئاً بكل ما يخطر في البال: ألعاب أطفال، زينة، صحون، خزف… كل شيء.
ثم عاد الإمبراطور يحمل قبعة نسائية وأخرى رجالية.
وضع على رأسها قبعة ذات حافة عريضة تشبه قبعات البونيت.
سألته بدهشة:
“هل يجوز ارتداؤها هكذا من دون إذن صاحب المتجر؟“
فابتسم قائلاً:
“أنا صاحب المكان. هل تريدين أخذ شيء آخر؟“
“آه… هذا صحيح. لا، لا شيء.”
عدلت القبعة فوق شعرها، ثم نظرت إليه نظرة تستعجله للخروج.
كذلك وضع هو قبعته بإحكام.
وما إن خرجا، حتى انفتح أمامهما مشهد السوق الليلي.
أُضيئت المشاعل في كل مكان حتى بدا الليل نهاراً.
الشوارع مزدحمة، والأصوات ترتفع بحيوية من كل صوب.
لم تستطع داليا منع عينيها من التلمّع وهي تنظر حولها.
فقد قضت حياتها في القصر الفرعي، ولم تزر حتى عاصمة مملكة فويفرن نفسها.
لم ترَ مثل هذا الازدحام من قبل، ولا هذه الكمية من البضائع.
كان كل شيء جديداً وغريباً عليها.
“ليا، انتبهي.”
وفي لحظة، وجدت نفسها بين ذراعي الإمبراطور.
إذ كانت قد تقدمت خطوة بلا وعي وهي تحدق في أحد الأكشاك، فلم تلحظ الشاب الذي اندفع راكضاً وكاد يصطدم بها.
قال الشاب معتذراً بسرعة واختفى:
“أعتذر!”
رفعت داليا رأسها إليه بخجل:
“أنا آسفة…”
“من الأفضل الحذر حين يكثر الناس حولك ايتها الآنسة الصغيرة.”
قالها بنبرة هادئة.
تجهمت داليا بخفة:
“أنا لستُ صغيرة.”
“من تكون التي كانت شاردة منذ قليل بسبب الطعام؟“
ضحكت داليا بخجل ثم بادرت وأمسكت بيده بإحكام.
“هكذا يكون الأمر صحيحاً، أليس كذلك؟“
نظر إلى يده ثم إليها، وأجاب مبتسماً:
“بالضبط.”
اقتربت داليا من الكشك الذي جذبتها رائحته.
“أهلاً وسهلاً!”
رحّب بهما رجل في منتصف العمر، ملامحه طيبة وابتسامته ودودة.
تنوعت الأطعمة الغريبة أمامهما على المنضدة.
حدقت داليا بفضول في قطعة مقلية تشبه العقرب، وهي نفسها التي كانت قد شغلتها قبل قليل.
“إنه عقرب مقلي. هل ترغبان في تجربته؟“
قال الرجل باحترام، إذ أدرك فوراً أنهما من النبلاء رغم مظهرهما البسيط بمناسبة مهرجان التأسيس.
فحتى مع القبعات، لم تُخفَ وسامتهما.
سألت داليا مذهولة:
“أهذا… كان عقرباً حقاً؟ وهل يُؤكل؟“
“بالطبع، طعمه لذيذ.”
ناولها الرجل سيخاً عليه عقرب مقلي.
تمتمت:
“لكن… لم أحضر نقوداً…”
فقال الرجل بلطف:
“ألجئتم من دولة أخرى؟ خلال أيام مهرجان التأسيس، كل الطعام مجاني.”
اتسعت عينا داليا دهشة:
“حقاً؟!”
“بالطبع، نبلغ الدولة مسبقاً بكمية ما سنعده يومياً، ونوزع تلك الكمية مجاناً.”
فقالت داليا باستغراب أكبر:
“ألا يحاول الجميع إذن بيع كميات هائلة؟ لجمع المزيد من المال؟“
قهقه الرجل من قلبه.
“لهذا السبب نقدّم دفاتر الحسابات السنوية مسبقاً. تُحسب الأرباح على أساس متوسط ما نبيعه في العام. كما أننا نرغب أيضاً في الاستمتاع بالمهرجان، لذلك نبيع كمية مناسبة ونكتفي.”
هزّت داليا رأسها بانبهار:
“واو… هذا نظام منطقي جداً. المواطنون يأكلون مجاناً، والبائعون يربحون في الوقت نفسه.”
“صحيح، هاهاها! وقد حرص الأباطرة جيلاً بعد جيل على وصية الإمبراطور المؤسِّس: ألا يبيت أحد جائعاً خلال مهرجان التأسيس. أما الإمبراطور الحالي فهو أفضل من حافظ عليها!”
شعرت داليا وكأن الإطراء موجّه إليها فالتفتت خلسة نحو الإمبراطور.
لكنه لم يُظهر أي تعبير رغم المدح.
فكرّرت كلمات الرجل بحماس طفولي:
“حقاً، جلالته الأفضل على الإطلاق!”
ولوهلة، لمحت انحناءة خفيفة على شفتيه.
يعجبه الكلام لكنه يتظاهر بعدم الاكتراث…
تابع الرجل قائلاً:
“لكن احذري، فهناك من يستغل الزوار من خارج المملكة فيطلب المال منهم. احترسي من المحتالين.”
“شكراً على التنبيه.”
“ويدي بدأت تتعب. كلما أسرعت في البيع، تمكنتُ من الاستمتاع بالمهرجان.”
ناولها سيخ العقرب المقلي، فتلقّته داليا على عجل.
قالت بابتسامة محرجة:
“شكراً لك.”
“نقول هنا: لتُقمْ السعادة في قلبك. هذه تحيتنا أثناء المهرجان.”
ردّت بحيوية:
“نعم! لتُقمْ السعادة في قلبك أيضاً!”
ابتسم الرجل ثم استدار لاستقبال زبائن آخرين.
ابتعدت داليا عن الكشك وهي تنظر إلى سيخ العقرب المقلي بعينين متردّدتين.
ولم يستطع الإمبراطور كتم ضحكته وهو يراقبها.
“إن لم تستطيعي أكله، يمكنكِ التخلص منه.”
هزّت رأسها بإصرار:
“لا يمكن ذلك. لقد قدّمه لي هدية.”
وبوجه يوشك على البكاء، تنفست بعمق وأغمضت عينيها بقوة.
“سأفعلها! لا تمنعني! سأجرب حقاً!”
وحين اقتربت بشفتيها المرتجفتين من طرف السيخ، انتزعه الإمبراطور من يدها.
شهقت داليا ورفعت يدها الفارغة بدهشة.
“كنتُ قد تشجّعت للتو…!”
وبهدوء مطلق، رفع السيخ إلى فمه وقضم العقرب بلا تردد.
حدّقت فيه داليا مدهوشة:
“يا لَلـ— أعني… جين، هل يمكنك أكله فعلاً؟“
أجاب ببساطة:
“اعتدتُ تناوله أحياناً في مهرجان التأسيس.”
كان يأكل العقرب المقلي كأنه مجرد وجبة خفيفة.
الإمبراطور سيّد السيف، يستخدم الهالة، سريع، يجيد ركوب الخيل، ويقاتل الوحوش دون خوف.
لكن لم يبدُ لها بطلاً كما بدا الآن.
قالت بإعجاب صادق:
“أنت مذهل يا جين.”
ابتسم بخفة:
“لم أتوقع أن أحظى بكل هذا الاحترام لأجل أكلة واحدة.”
قالت داليا كأنها تكشف سراً:
“عندما كنت صغيرة لم أستطع أكل الخيار، فكان أخي يأكله بدلاً مني. ومنذ ذلك اليوم قررتُ أن أعتبره بطلاً.”
انفجر ضاحكاً.
“وهل أصبحتُ أنا أيضاً ضمن قائمة من تحترمينهم؟“
أومأت بخجل ورفعت إبهامها:
“نعم! أنت الأفضل!”
* * *
بعد ذلك…
تحولت داليا إلى سنجاب لا يهدأ، تنتقل من مكان لآخر بلا توقف.
“هذا جميل.”
“بكم هذا؟“
“يا له من شيء لطيف!”
“سأشتريه.”
وبكل كلمة تنطق بها، تحوّل الإمبراطور إلى خزينتها مرة… وإلى حمّالها مرة أخرى.
ارتدت سواراً من خيوط مزينة بالأصداف وطوقت عنقها قلادة مصنوعة من الزهور، ورغم أن شكلها بدا مبالغاً فيه، فإنه بدا عليها مناسباً جداً.
كان غراي يستمتع بملامح السعادة المشرقة على وجهها ويتبعها بصبر بالغ.
وفجأة، انطفأت أضواء السوق الليلي كلها دفعة واحدة وابتلع الظلام المكان.
توقفت داليا فجأة، وقد فاجأها الأمر.
“جين؟“
دعت اسمه بصوت مرتجف قليلاً.
ورغم أنها كانت تمسك بيده، فإن الظلام الدامس جعل قلبها ينقبض بخوف مباغت.
𓂃𓂃𓂃𓂃𓂃
ادعولي بالتوفيق في دراستي.
يارب اتوفق في دراستي وانجح بدرجات عاليه انا ونسواني الي يقرأو.
التعليقات لهذا الفصل " 94"